الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
قصص وروايات

رواية نادية .. (الفصل الثالث)

 فايل المطاعني

الانتظار ..

حين تسيطر الأنانية على روح الإنسان، يتحول ذلك الكائن البشري إلى وحش في هيئة بشر.

تظاهرت نادية بالنوم عندما دخلت الممرضة خلود إلى الغرفة. كانت تكره الإبر، لأنها تجعلها هادئة وخاضعة، وهي لا تريد لأحد، مهما كان، أن يسيطر عليها.

عرفت خلود منذ زمن طويل. فتاة جميلة وحنونة، تتولى رعايتها منذ فترة، لكنها لا تصدّقها. لا تصدّق قصصها، ولا مشاعرها. نادية فقط تتظاهر بالتصديق، لأنها تعتقد أن هذه من واجبات الممرضة: التمثيل معها، لأنها “مجنونة” في نظرهم جميعًا.

أشاحت بوجهها نحو الوسادة المجاورة وقالت بابتسامة خفيفة، وكأنها تحدث صديقة عزيزة:

– أنتِ صديقتي الوحيدة… أشعر أنك تفهمينني.

أخرجت من تحت الوسادة قصاصة ورقية صغيرة، تخبئها بعناية حتى لا تراها خلود، وتابعت بفرح يشبه فرح الأطفال:

– هذه الورقة كتبها حبيبي طاهر… قال إنه سيعود هذا المساء. أنا أنتظره، أنتظر عودته… هو لا يكذب عليّ، لم يكذب عليّ قط منذ تزوجنا…

في هذه اللحظة، اقتربت خلود منها بابتسامة دافئة، ووضعت يدها برفق على جبين نادية:

– مساء الخير يا حلوة… لم أرك البارحة، كنت مشغولة، لكن اليوم جئت لأراك.

نظرت نادية إلى يديها بقلق، كأنها تسأل: “أين الإبرة؟ أين الدواء؟”

لاحظت خلود ذلك، فرفعت يديها الفارغتين وقالت مازحة:

– انظري… لا أدوية اليوم، لا إبر!

ضحكت وأضافت:

– اليوم سنتحدث… ما رأيك؟

توسعت عينا نادية فرحًا، وجلست على الكرسي الوحيد في الغرفة:

– يعني… لا توجد إبر اليوم؟!

وضعت يدها على شفتيها وكأنها تفكر، ثم قالت بلهفة:

– هل جاء طاهر ليأخذني من هنا؟

قفزت من مكانها مسرعة نحو النافذة، تحاول فتحها بفرح عارم. أشارت إلى الشمس التي بدأت تغرب:

– انظري يا خولة… هناك! الشمس تغرب! هذا موعده… قال لي سيأتي بعد الغروب.

عادت إلى وسادتها، احتضنتها، رفعتها عاليًا، ثم ضمتها مجددًا وهي تقول:

– ألم أقل لكِ؟ سيأتي… لم يخلف موعدًا يومًا… هو بطلي.

اتجهت نحو خلود، وضعت يدها على كتفها وهزته برقة:

– هل جاء بملابسه العسكرية؟ هو يعرف أنني أحب رؤيته بها… مشيته، هيبته… صدقيني، إنه بطل.

وحين لم ترد خلود، جثت نادية على ركبتيها، أمسكت بيدي الممرضة وبكت بحرقة.

خلود كانت حائرة، لم ترَ نادية من قبل تتكلم بهذا الأمل… بهذا الحب.

قالت في سرها بدهشة:

– مستحيل… لا تبدو مجنونة. تتذكر زوجها، تفاصيله، مواعيده بدقة… وتنتظر عودته كأنها فتاة تنتظر فارس أحلامها.

ثم نظرت إليها بدهشة أكبر وهمست:

– لكنها تناديني بخولة… من تكون خولة؟!

يتبع…

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights