مقالات صحفية

دعم الكتّاب من ذوي الإعاقة: الواقع يحتاج إلى خطوات ملموسة

حمدان بن هاشل العدوي
عضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء
عضو الجمعية العمانية للأشخاص ذوي الإعاقة

في مقال سابق نشرته صحيفة النبأ الإلكترونية تحت عنوان «لقاء معالي الدكتورة وزيرة التنمية الاجتماعية يفتح آفاقًا لدعم الكتّاب من ذوي الإعاقة»، تحدثت عن لقائي بمعالي الدكتورة ليلى بنت أحمد النجار يوم الأربعاء 11 يونيو 2025، حيث أتيحت لي الفرصة لإهدائها نسختين من روايتي: ولادة في كنف الملائكة وأسرار من بوابة القادمين إلى صلالة، وتقديم مقترح لتبنّي الوزارة دعم الكتّاب والأدباء من ذوي الإعاقة في سلطنة عُمان.

ورغم ذلك، يبقى التحدي الأكبر واقعًا ملموسًا وصعبًا؛ فتكاليف الطباعة مرتفعة جدًا، وفرص الحصول على دعم حقيقي ما تزال محدودة وفي نطاق ضيق. وهذا الواقع لا يخصني وحدي، بل يشمل عددًا من الكتّاب من ذوي الإعاقة، أو الراغبين فعلًا في الدخول إلى هذا المجال، ومن بينهم المتقاعدون العسكريون الذين يمتلكون الرغبة والطموح لكتابة القصة أو الرواية، لكنهم يحتاجون إلى دعم فعلي يساعدهم على تجاوز العقبات المادية والإجرائية.

إن ندائي لا يقتصر على وزارة التنمية الاجتماعية فقط، بل يمتد إلى وزارة الثقافة والرياضة والشباب. كما أن الحديث عن تمكين ذوي الإعاقة ثقافيًا لا ينبغي أن يقتصر على الجهات الرسمية فحسب، بل يشمل أيضًا المؤسسات الثقافية والإعلامية، مثل النادي الثقافي والجمعية العمانية للكتاب والأدباء، إضافة إلى الصحف والمجلات الثقافية الورقية والإلكترونية التي تفتح صفحاتها لنشر القصص والروايات والمقالات. فهذه المؤسسات تمتلك أدوات النشر والتأثير، وبعضها يمتلك مطابع خاصة، ويمكن أن يكون لها دور حقيقي في احتضان الكتّاب العُمانيين من ذوي الإعاقة، والمساهمة في إيصال أصواتهم إلى المجتمع.

وهناك شريحة كبيرة منهم من المتقاعدين العسكريين؛ لذا فإن ندائي موجّه أيضًا إلى مديرية التوجيه المعنوي بوزارة الدفاع، ومديرية الخدمات الاجتماعية العسكرية، لدعم الكتّاب العسكريين من ذوي الإعاقة، ولتكونا جزءًا من منظومة الدعم التي تمكّن هذه الفئة من المشاركة الفعلية في المشهد الثقافي الوطني.

ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة أصبحت تُناقش ضمن اللجان الاجتماعية والصحية والثقافية في مجلسَي الدولة والشورى. كما أن اللجنة الاجتماعية والثقافية في مجلس الدولة ناقشت خلال عام 2025 مشروع «قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة»، وعقدت لقاءات مع جمعيات ومختصين معنيين بهذا الملف، في حين يوثّق مجلس الشورى، ضمن مركز معلوماته، الجهود المتعلقة بالأشخاص ذوي الإعاقة، وهو ما يعكس وجود اهتمام تشريعي ورقابي متنامٍ بهذا الجانب.

إن كثيرًا من المهتمين بهذا الملف يرون أن وجود لجنة دائمة مستقلة تُعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة داخل مجلس عُمان سيكون أكثر فاعلية، خصوصًا مع اتساع القضايا المرتبطة بالتوظيف، والتهيئة العمرانية، والتعليم، والمشاركة الثقافية، والخدمات الحكومية، والتمكين الاجتماعي والتشريعي. فملف الإعاقة اليوم لم يعد ملف «رعاية» فقط، بل أصبح ملف حقوق وتمكين ومشاركة كاملة في المجتمع.

ومن هنا، أرى أن طرح هذا الملف أمام اللجنة العمانية لحقوق الإنسان قد يشكّل خطوة مهمة ومكسبًا حقيقيًا ضمن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، خصوصًا في الجانب الثقافي والمعرفي، لأن الحق في التعبير والإبداع والوصول إلى المنصات الثقافية لا يقل أهمية عن بقية الحقوق الأخرى.

إن تمكين ذوي الإعاقة أدبيًا وفكريًا ليس مجرد حق أصيل، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية؛ فالإبداع المولود من التحدي يكون أكثر صدقًا وعمقًا، والكاتب من ذوي الإعاقة يحمل في نصوصه تجربة إنسانية لا يمكن استبدالها أو تكرارها. وكما جاء في روايتي ولادة في كنف الملائكة: «قد يُقيَّد الجسد، لكن الروح لا تُقيَّد، والكلمات حين تُولد من المعاناة، تملك جناحين».

أملي أن تتحول هذه الكلمات إلى واقع ملموس، وأن يصبح دعم الكتّاب من ذوي الإعاقة جزءًا من سياسة وطنية واضحة، لا مجرد لقاءات أو تصريحات. فلم تعد الحاجة اليوم إلى الكلمات وحدها، بل إلى خطوات عملية ودعم حقيقي، سواء في تمويل الطباعة، أو تمكين المشاركة في المعارض، أو توفير منصات للنشر، أو تقديم التسهيلات الإدارية.

إن تحويل الدعم من شعار إلى واقع هو ما نحتاجه فعلًا، حتى يتمكن كل كاتب من ذوي الإعاقة من كتابة حكايته ومشاركة صوته مع المجتمع، ليصبح الأدب مساحة عادلة تتساوى فيها الحقوق، ويكون الإبداع المولود من التحدي مصدر إلهام للجميع.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights