زوايا (٢).. القدوة الغائبة في زمن المشاهير
ثريا بنت علي الربيعية
تمرُّ بنا اللحظات فتوقظ في ظلال الذاكرة تلك الصور الجميلة التي نحتفظ بها في مخيلتنا لأولئك الذين أسهموا في تشكيل ملامح شخصيتنا، لمن احتضنوا طفولتنا بالحنان، وسقونا من معينِ علمهم وخبرة سنينهم، كنا نتعلّم من نظراتهم قبل كلماتهم فأخذنا منهم الكثير. فما زالت كلماتُ ذاك المعلّم المخلص منقوشةً في مذكّراتنا المدرسية، بالرغم من بساطتها، إلا أننا نتقلّدها كوسام شرفٍ، نستحضر معها عبق البدايات كلما عدنا إليها، وكأنّ طيف الأب الناصح لا يكاد يفارقنا، فمن مهابته كنا نستمدّ الحكمة والقوة. ولا ننسى ذاك الجارَ المربّي بطيب أخلاقه قبل كلامه؛ فكان مثالًا في الوفاء وحسن الجوار.
حينها كانت القدوة تُولد في دفء البيوت برعاية الوالدين وإرشادهما لكل ما فيه صلاح ورشاد، وتُبنى في المدرسة بصبر المعلم وجزيل عطائه، وتُحترم في الطريق، وتُرى وتُسمع في كل مكان. وبالطبع فقد كانت تُقاس بالمواقف لا بالمظاهر، حيث لا وجود لما يُسمّى بعالم الرقميات.
بيدَ أن المشهد اليوم بات مغايرًا عمّا عهدناه في الصغر؛ فنحن نعايش واقعًا اختلّ فيه الميزان، وتغيّرت فيه المعايير، واختلطت فيه مفاهيم التأثير بالشهرة، والقدوة بالمتابعة وعدد الإعجابات، في وقت صار فيه صغارنا يحلمون بأن يصبحوا مؤثّرين على “يوتيوب” أو نجومًا على “تيك توك”؛ ليس لحمل رسالة هادفة، بل لأن الشهرة – في تصورهم – هي الطريق الأسرع للنجاح أو المصدر الأسهل للمال.
ومما يؤسف له أنّ الطفل لم يعد يقول: “أريد أن أكون كأبي أو كمعلّمي”، إنما يقول: “أريد أن أصبح مشهورًا أو نجمًا!” وقد يُقلّد المشاهير في حركاتهم ولباسهم، وأحيانًا يتغنّى ببعض كلماتهم كأنّها شعارات، غير مدركٍ أنّ البريق الزائف لهؤلاء قد يُخفي عقولًا خاوية بعيدة عن الفكر الواعي.
في الواقع، فإنّ جيل اليوم يواجه أزمة حقيقية بواقع الانفتاح والتقدّم، تكمن في غياب القدوة، والتبعية التي تلهيه عن ذاته وأهدافه؛ وذلك نتيجة تأثرهم بمن يسمّون أنفسهم “مشاهير السوشيال ميديا”، الذين تصدّر كثيرٌ منهم الشاشات، وأغرق محتواهم الهزيل عقول الناشئة، فباتت القيمة تُحسب بعدد المتابعين وصدى “الترندات”.
من زاوية أخرى، أصبحت تلك الشخصيات الملهمة، والقدوات الحقيقية، بعيدةً عن المشهد العام، ولربما يُهضَم حقها بحجة عدم الشهرة، أو يُنتقَص من حضورها في منصّات التكريم. فلم يعد لها التأثير الحقيقي في غرس القيم، في حين أنّ الشهرة باتت متاحةً بضغطة زرّ ومحتوى خفيف، تبعًا لذلك فهي أقرب للمتابعة دون الحاجة إلى إنجازٍ حقيقي. ناهيك عن أنّ الأضواء صارت تُسلَّط على الوجوه الأكثر حضورًا، لا الأعمق أثرًا ونفعًا، وشتّان ما بين هذا وذاك!
بالتأكيد، إنّ بناء القدوة في عصرنا هذا يتطلّب وعيًا مضاعفًا في زمنٍ تُعاد فيه صناعة المفاهيم بشكل متسارع، ونواجه فيه إعلامًا مُمنهجًا من الغرب استطاع تهميش القيم، وحوّل المشاهير إلى ملهمين لهم تأثير فعلي على توجيه الأفكار. ولما كانت القدوة تبدأ في الأسرة بين أحضان الأم والأب، لم يعد الأمر كذلك؛ فقد اختفى أثر الوالد المربّي، وخفَت بريق المعلّم الملهم، فلم يعد لهما حضورٌ على الساحة كقدوات، وبالتالي انصرف ذهن الكثير من الشباب إلى الجانب الآخر على شاشات المنصّات، والبحث عن الوجوه البرّاقة التي تروّج غالبًا لحياةٍ مثالية بعيدةٍ عن مبادئ الواقعية.
في هذا المقام، نتساءل عن الدور الجوهري الذي يقع علينا جميعًا لإحياء القدوة الحقيقية الغائبة عن مشهد المجتمع، ووجوب سدّ الثغرة كمربّين بأن نعيد الاعتبار للقيم التي تُصنع بها القدوات، وأن نعلّم أبناءنا عدم ربط قيمة النجاح بالمظهر الإعلامي فقط؛ فليس كل ما يلمع ذهبًا. ومن الضرورة توجيه الشباب لاتخاذ قدوات خارج منصّات الإنترنت تصلح مصدرَ إلهامٍ علميٍّ وعمليٍّ لهم في المستقبل، ولاسيما باستغلال أوقات فراغهم فيما يتطلّع إليه المجتمع من قيادةٍ وإدارةٍ وعطاء.
ومن الأهمية أيضًا توجيه الأسر للحوار الهادف مع الأبناء بالكلمة المؤثرة؛ حتى لا يبحثوا عن قدوةٍ بديلة في العالم الرقمي، الذي يعاني – في واقع ما نراه – من تراجع النماذج الإيجابية.
وأخيرًا، ندرك أنّه مهما بدت الأسباب مختلفةً لمثل هذه الظاهرة، فالواجب الالتفات إليها وجعلها محطّ الاهتمام، فكلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيّته، وكلّنا محاسبٌ – مهما كان مقامه – أن يكون قدوةً حسنةً في ذاته، ومؤثّرًا في مجتمعه قولًا وفعلًا.



