الإثنين: 09 مارس 2026م - العدد رقم 2849
مقالات صحفية

النسيان .. أحيانًا أجمل انتصار

   صالح بن سعيد الحمداني

في عالم يموج بالعلاقات المتشابكة والمواقف المتقلبة، يصبح الإنسان يوميًا أمام اختبارات صغيرة وكبيرة، تمتحن صبره وتكشف عن عمق اتزانه وقوة نفسه، وبين ردود الفعل التي تتراوح بين الغضب والعتاب، وبين الرغبة في المواجهة أو الانسحاب، يبرز خيار ثالث أكثر نضجًا وهدوءًا… خيار يبدو بسيطًا في ظاهره لكنه في الحقيقة من أعقد المهارات الإنسانية “النسيان”، لطالما اعتقد البعض أن النسيان ضعف، أو أنه هروب من مواجهة واقع مرير، غير أن التجربة الإنسانية تثبت أن النسيان ـ حين يكون خيارًا واعيًا ـ هو أجمل انتصار يمكن أن يحققه الإنسان على ما يؤذيه، فأن تنسى لا يعني أنك لم تتأثر، بل يعني أنك رفضت أن تظل أسيرًا للألم، وأنك آثرت أن تمضي في طريقك بخفة، دون أن تجرّ خلفك أثقال الغضب أو خيبات الماضي.

تتجلى قوة الإنسان في قدرته على التحكم بمشاعره، وحسن إدارة ذاكرته العاطفية، فليس من السهل أن ينسى المرء كلمات جارحة، أو خذلانًا لم يكن يتوقعه، أو موقفًا نال من كرامته، لكن الأصعب من ذلك هو الاستمرار في حمل تلك الذكريات دون محاولة تجاوزها، وهنا تكمن قيمة عبارة “انسَ، وسامح، وابدأ من جديد”، إنها ليست مجرد جملة عابرة، إنها فلسفة حياة تحرّر الإنسان من استنزاف عاطفي طويل، فالمسامحة لا تُمنح للطرف الآخر بقدر ما تُمنح للنفس أولًا، والنسيان ليس محوًا للتجربة، وإنما إعادة ترتيب للذاكرة بحيث لا يظل الألم في الصفحات الأولى دائمًا.

في زمن أصبح فيه ردّ الفعل السريع معيارًا للقوة، يتجاهل الكثيرون أن الصمت قد يكون أقوى، وأن التجاوز لا يعني تنازلًا ولكنه رفعة، فالشخص الذي يختار المضيّ قدمًا دون ضجيج يثبت أنه أكبر من أن يُستفز، وأن كرامته لا تهتز لموقف عابر، وأن طاقته أثمن من أن تُهدر في جدال بلا جدوى، الذين يعرفون قيمة أنفسهم لا يلاحقون اعتذارًا، ولا يترجّون تبريرًا، ولا يستجدون اهتمامًا، إنهم يدركون أن الكلمة التي قيلت في لحظة غضب لا تستحق سجن العمر، وأن الموقف السيئ لا ينبغي أن يتحول إلى هوية دائمة في الذاكرة، فالتجاوز مرآة لعلو النفس واتساع القلب وليس سلوكًا حضاريًا.

يصبح النسيان أحيانًا أجمل انتصار ليس لشيء إلا لأن النسيان يحرّر، يفصل بين ما حدث وبين ما يمكن أن يكون، يعطي الإنسان فرصة ليفتح نافذة جديدة على الحياة، دون أن تظل ذكريات الأمس تكبّل خطوات اليوم، فالانتصار الحقيقي ليس في رد الأذى، ولا في إثبات الحق، ولا في كشف أخطاء الآخرين، الانتصار الحقيقي هو أن تستطيع أن تقول “مرّ الأمر… ولم يعد يعني لي شيئًا”، عندها يدرك الإنسان أنه تجاوز مرحلة كاملة وأن جروحه التأمت دون ضجيج، وأن قلبه استعاد ليونته، وأن روحه عادت تشبه نفسها، وإن النسيان ـ بهذا المعنى ـ ليس مجرد حالة نفسية، ولكنه مهارة تنموية تحتاج إلى تدريب وإصرار، فكل مرة يقرر فيها الإنسان ألا يُعيد تدوير الألم، وألا يسترجع مشهدًا سيئًا، يكون قد خطا خطوة نحو حياة أكثر هدوءًا واتساقًا.

من السهل أن يظل الإنسان ملتصقًا بالماضي، يتذكر لحظة الانكسار، يعيد تحليل الكلمات، ويعيش في دائرة مغلقة من “لماذا حدث هذا؟” و”ماذا لو…؟”، لكن الشجاعة الحقيقية تكمن في أن ينهض، ينفض الغبار، ويمضي بثقة في طريق جديد، فالبداية من جديد لا تعني تجاهل التجربة ولكنها تعني الاستفادة منها دون الانغماس فيها، تعني أن ينظر الإنسان إلى الأمام، وأن يمنح نفسه فرصة جديدة، وقلبًا جديدًا، وأفقًا جديدًا، كل بداية جديدة تحتاج إلى شجاعة تتجاوز الخوف من الفشل وإعادة الألم، لكنها في النهاية تمنح الإنسان طاقة لا تمنحها أي ذاكرة حزينة.

النسيان ليس ضعفًا، والصفح ليس هزيمة، والتجاوز ليس هروبًا، كلها أفعال نبيلة يملكها من يعرف قيمة نفسه، ويؤمن بأن الحياة أقصر من أن تُهدر على تفاصيل لا تستحق، وإن أعظم انتصار يحققه الإنسان على نفسه وعلى الدنيا هو أن يتقن فنّ النسيان، وأن يختار السلام على الصراع، والابتسامة على العتاب، والبدء من جديد على البقاء في مكان لا يشبهه، انسَ… سامح… وابدأ من جديد، فهذا وحده كفيل بأن يجعل روحك أخفّ، وقلبك أقوى، وحياتك أكثر اتساعًا وجمالًا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights