عندما كان سعرُ الطماطمِ قضيّتَنا
مريم الجابري
أفتقدُ صديقتي التي كانتْ تُخبرُنا في كلَّ صباحٍ عن أسعارِ الطماطمِ في محالِّ القرية، وكُنّا ننتظرُ تلك الفقرة اليوميّةَ بشغف، حتى نُحلِّلَ أسبابَ ذلك.
آه، نحنُ نكبرُ كثيراً، لم يَعُدْ هذا الأمرُ مِمَّا يستحقُّ الشكوى كما كان من قبل. فلتكنْ تلك الأسعارُ كما تكون، لدينا أمورٌ أخرى أهمُّ من سعرِ الطماطمِ على الرفوف.
أظنُّ أنَّ فلسفةَ الحياةِ تجعلُنا نجتمعُ في وقتٍ معيّن، مع أشخاصٍ معيّنين، نَتَشاركُ نفسَ الهموم، نتكلّم، نغضب، نَحتجُّ! يحدثُ التغييرُ أو لا يحدث، ثمَّ نرحل.
وكما كنّا نهتمُّ بأسعارِ الطماطم، كانت هناك قضايا أخرى بدتْ لنا آنذاك في غايةِ الأهمية. تدرّجتْ اهتماماتُنا بمرورِ الوقتِ، كما تتغيَّرُ الحياةُ من حولِنا. ما زلتُ أذكرُ كيف كانت مشكلتُنا الكبرى في الجامعةِ هي طعامُ السَّكن، كنّا نغضب، نناقش، نقترح، يمضي الوقت، نرحل، وتُصبح المشكلةُ – وإنْ بقيت– ليستْ مشكلتَنا بعدَ الآن.
وأتذكّرُ أيضاً غضبَنا على صاحبِ دكّانِ القريةِ بسببِ جودةِ المنتجاتِ في محلِّه. كنّا نغضب، نناقش، نتّفق، فقد كنّا أطفالاً، وكان الحلُّ أنْ نكتبَ له رسالةً بمطالبِنا لتحسينِ الخدمة. أعتقدُ أنَّهُ رماها في أقربِ سلّةِ مُهملات.
ياااه، نكبرُ كثيراً، لكنّنا ما زلنا نملكُ صوتاً، وما زال لدينا الحقُّ في الحديثِ عن سعرِ الطماطم، والشارعِ الفرعيِّ الذي لم نرغبْ به، ومبيعاتِ صاحبِ الدكّان، والعمارةِ التي نَشَأتْ في وسطِ الحيِّ بشكلٍ غريب.
هكذا جُبِلنا منذ أنْ نَشَأتِ الحياةُ، نَتساءل، نَحتجُّ، نغضبُ، ثم نمضي. ولكنَّ هذا، في النهاية، هو ما يجعلُنا أحياء.



