الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

نقطة أول السطر .. حين يُحب الرجل بصمت .. يحترق ولا يُرى

   عادل بن حميد الجامعي

حين يُقال إن الرجل لا يشعر، ابتسم..!

لا سخرية؛ بل شفقة على من لم يرَ في عينيه دمعةً مؤجلة،

ولم يقرأ في صمته نداءً يُجلجل داخله كبركانٍ مؤدّب.

فالرجل.. ليس كما تروّج الصُّوَر النمطية.

ليس صلدًا من حجر، ولا كتلة من قرارات واقعية فقط.

الرجل روحٌ ثقيلة من فرط ما تحمل، جبلٌ يحبس في صدره نهرًا من الحنين،

ولا يفيض.. إلا إذا ثقل عليه الحِمل!

في عالمٍ يُقاس فيه الرجال بصلابتهم،

وفي ثقافاتٍ تُرَبّي الذكور على أن البكاء ضعف..

وأن البوح مَثلبة، وأن الشوق مشهد لا يليق..

كبرت أجيال من الرجال بقلوب مشقوقة النبض،

يحبون.. فلا يقولون،

يشتاقون.. فيكبتون،

يتألّمون.. ثم يذهبون إلى العمل.

وكأن العالم كله يخبرهم كل صباح:

لا تكن طيبًا كثيرًا.. سيُؤخذ عليك ذلك.

في كتابي سُدْن.. -كتاب أحرره وأكتب فيه عن الوجه الآخر للقمر الوجه الذي لا يرى-

حاولنا أن نفتح بوابةً في جدار الصمت، أن نقول للناس:

ليس كل من تماسك.. سالم.

وليس كل من ضحك.. مرتاح.

هناك رجالٌ يسكنهم جوعٌ للعناق؛ لكنهم لا يطلبونه!

ليس لأنهم لا يريدونه؛ بل لأنهم تعلموا أن لا يطلبوا شيئًا.. إلا بعد إذن المجتمع!!

هل تعرفين كيف يشعر الرجل حين يكبت مشاعره؟

هو كمن يحبس أنفاسه في محيطٍ عميق..

ويبتسم.

هو كمن يضع رأسه على الوسادة كل ليلة.. ولديه مئة كلمة حب لم تُقل، وعشرات الرسائل لم تُرسل، وأمنية واحدة ورجاء:

أن يحتضن من دون أن يسأل لماذا!

الرجل ليس متبلّدًا..

مشاعره كالسحاب في يوم قيظ..

ممتلئٌ بمطرٍ لم يجد صدرًا ينزل عليه.

هو فقط يخاف..

يخاف أن يُتّهم بالضعف،

أو يُضحك عليه، أو يُساء فهم طيبته.

وأسوأ ما في الحياة:

أن تضطر لتُخفي أنقى ما فيك..

خشية أن يُفسَّر خطأ!

في بعض المجتمعات..

إذا ما كان الرجل طيبًا، لطيفا، معطاءً في حنانه..

قيل عنه: ناقص رجولة، أو ساذج، أو سهل الإغواء.

وهذه كلها طعنة في صميم الإنسانية.

من قال إن الرجولة نقيض اللطف والرقة؟

ومن قال إن الصلابة لا تحوي في باطنها بحيرات من الحب المالح والعذب؟

الرجل القوي حقًا.. هو من لا يخشى أن يحب.

لكن.. أين يتنفس الرجل؟

أين يمكنه أن يكون ذاته؟

يُحب بلا قيود..

يبكي بلا حياء أو خجل ..

يشتاق بلا محاكمات؟

في أحضان امرأته – إن كانت له-

وفي صلاته إن لم يجدها،

وفي الكتابة إن أُوصدت دونه الأبواب.

الرجل الحقيقي لا يحتاج جمهورًا؛ بل يحتاج امرأة تفهم متى يصمت، ولماذا يصمت،

وتحتضنه حين لا يقول شيئًا

هل تعلمين ما هو أقوى أنواع الحب؟

ذاك الذي لا يُقال، لكنه يحسّ..

في تنفُّسه، في مشيته، في تردده،

في طريقه الطويل إلى بابك وهو يعلم أن لا شيء ينتظره سوى عيناكِ.

عناقٌ صامت.. لا همسة فيه ولا لمسة، لكن الأرواح تتكلم فيه من دون إذن الألسن

الرجل لا يطلب حضنًا..

لكنه يرجوه، يهمسه بينه وبين نفسه..

وحين يُهمل، وحين يُكسر، وحين يُخوّن..!

لا يُجيد الشكوى، ولكن يتقن الانسحاب.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights