فيض الخواطر

د. أمنة أل عبد السلام
الأم… حين تتجلى الرحمة في صورة إنسان منذ أن يكتب الله للحياة أن تستقر في رحم أم، تبدأ قصة لا يقرأ تفاصيلها إلا من أنعم الله عليه بقلب أم؛ ففي اللحظة التي تدرك فيها أنها تحمل بين أحشائها روحًا نفخ الله لها موعدًا مع الحياة، تتغير ملامح أيامها، ويولد معها قلب جديد؛ قلب لا ينبض لنفسه، بل لروح صغيرة لم ترَ النور بعد.
تخاف عليه قبل أن ترى عينيه، وتحبه قبل أن تسمع صوته، وتحرسه بالدعاء قبل أن تضمه إلى صدرها. يعيش في ظلمات ثلاث، لكنه يسكن في أوسع مكان خلقه الله؛ قلب أمه.
تتبدل ملامحها، ويثقل جسدها، وتتقاسم مع الألم أيامها ولياليها، لكنها لا تشتكي إلا إلى ربها. تمضي في طريقها صابرة محتسبة، وكلما اشتدت عليها وطأة التعب، ازداد يقينها بأن ما عند الله خير وأبقى. تدرك أن الحمل قد يحمل معه مشقة، وربما مخاطر، لكنها تمضي مستودعة جنينها عند من لا تضيع عنده الودائع.
وما أعظم قلب الأم… يؤلمها التعب، لكنها تخشى أن يمس جنينها أذى. تجوع ليشبع، وتسهر لينام مطمئنًا، وتتحمل ما تعجز الكلمات عن وصفه، وهي لم تطلب جزاءً ولا شكورًا، سوى أن ترى فلذة كبدها سالمًا معافى.
ثم يأتي جبر الله… ذلك الجبر الذي لا يصفه لسان، ولا يحيط به بيان. تأتي لحظة تحتضن فيها صغيرها لأول مرة، فتذوب سنوات الألم في دمعة فرح، ويصبح الوجع ذكرى، لأن الله أبدلها به نعمة تملأ القلب سكينة وسرورًا. وما كان صبرها إلا طريقًا إلى رحمة واسعة، وما كانت دموعها إلا بذورًا لغرسٍ يسقيه الله بجبره ولطفه.
وليس جبر الله للأم في لحظة الولادة وحدها، بل يرافقها في كل مرحلة من عمرها؛ في ابتسامة طفلها، وفي أول كلمة ينطق بها، وفي كل نجاح يحققه، وفي كل دعوة صادقة يرفعها لها من قلبٍ بارّ. وإن أعظم الجبر ما ادخره الله لها من الأجر، فهو سبحانه لا يضيع دمعة أم، ولا تنهيدة متعبة، ولا لحظة خوف عاشتها حفاظًا على أمانة استودعها بين يديها.
فيا رب، احفظ كل أم، وأدم عليها نعمة الصحة والعافية، واجعل لها من كل تعب أجرًا، ومن كل صبر نورًا، ومن كل دمعة فرجًا، وأكرمها كما أكرمت الحياة بوجودها. فالحديث عن الأم لا ينتهي، لأنها النهر الذي لا ينضب عطاؤه، والشجرة التي تظلّل أبناءها وإن أحرقتها شمس الحياة.
حقًا… إذا كانت الجنة تحت أقدام الأمهات، فذلك لأن قلوبهن كانت قبل ذلك موطنًا للرحمة، وأرواحهن كانت مدرسةً للصبر، وأيديهن كانت أول من علّم الدنيا معنى الحب الذي لا ينتظر مقابلًا .


