الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

العقوق صرخة صامتة .. حين يُهمل الإنسان من أعطاه الحياة

  محمد بن سعيد بن مبارك العلوي

لا يبدأ العقوق فجأة، ولا يظهر بصخبٍ مفرط، بل يبدأ بصمتٍ قاتل: تجاهلٌ بسيط، اتصالٌ مؤجّل، كلمة لم تُلقَ، وقت لم يُمنح… وهكذا يتسلل الجفاء إلى الحياة، ليترك القلوب حُزْنًا مستورًا، وأرواحًا محرومة من أبسط حقوقها الاحترام والوفاء.

وقد قرن الله تعالى بر الوالدين بتوحيده، فقال:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]،
وجعل الحد الأدنى من أدب الأبناء هو الكلمة الطيبة واللين، فقال: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.

وفي السنة النبوية، بيّن ﷺ مكانة الوالدين ومصير العقوق، فقال:
«رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين»،
وجعل العقوق من أكبر الكبائر، مع اقترانه بأشد الموبقات، كالشرك وقتل النفس.
ولعلّ الأكثر ألمًا أن يبرّر البعض تقصيرهم بالانشغال أو “عدم القصد”.
إن القلوب لا تُقاس بالنوايا، بل تُقاس بما يصلها من أفعال: حضور، رعاية، اهتمام، كلمة، لمسة حانية.

كم من أمٍّ مسنّة تجلس وحيدة في الليل، وكم من أب مريض ينتظر سؤالًا واحدًا من ابنه؟
وكم من حياة أبنائها تتفكك بالبعد عن جذورها، في حين تُعطى الأرقام والمال بديلاً عن الحضور الحقيقي؟
والواقع يؤكد أن عقوق الوالدين لم يعد مجرد كلمات أو أفعال محددة، بل أصبح جرمًا صامتًا يتخفى خلف “الانشغال بالعمل والدنيا”.
ابن يوفر المال لكنه ينسى السؤال، آخر يزور المستشفى بلا اهتمام، وثالث يرى ضعفهم فتتساقط حروف الإهمال من شفتيه.
وعن جدوى الرجوع: جاء رجل يستأذن النبي ﷺ في الجهاد، فقال له:
«أحيٌّ والداك؟» قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد».

لقد جعل الرسول ﷺ رعاية الوالدين ميدانًا من ميادين الجهاد، لما فيه من صبرٍ وتضحيةٍ وإخلاص.
فالبرّ حياة، والعقوق خراب.
ومن قصّر أو غفل: تذكّر قول الله تعالى:
﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
فكما احتاجت طفولتك لرعايتهما، يحتاجان اليوم لبرّك.

لا تنتظر الغياب لتكتب مراثي الندم، ولا تجعل القبر المكان الوحيد للاعتذار.
اذهب إليهما اليوم… بكلمة، بلمسة، بوقت… فهذه البساطة أعمق من أي هدية، وأقوى من أي قول.
رحم الله أُمي جنتي وموتانا وموتى المسلمين، جمعنا الله بهم في الفردوس الأعلى من الجنّة، وأطال الله في عُمر أبي العزيز ورزقني الله بِرهم أحياءًا وأمواتا، وصلّ اللهم على سيدنا وشفيعنا وقدوتنا مُحمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين سُبحانك اللهم وبحمدك نستغفرك ونتوب إليك.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights