الجمعة: 13 مارس 2026م - العدد رقم 2853
مقالات صحفية

دفء اللحظات العادية

طه جمعه الشرنوبي

مرّ يوم الحُب، جاء ومرّ أكثر هدوءًا مما توقّعت. لا دقات قلبٍ متسارعة، لا أجنحة فراشات تضرب صدري بعنف، لا ارتباك حين أنطق اسمها. بل كان كما لو أن الحياة قد رتّبت كل شيء ليكون طبيعيًا، مألوفًا، كأن الحب لم يكن يومًا غريبًا عني، بل كان دومًا هنا، ينتظر أن أمدّ يدي لأقبض عليه.

في بلد غير التي أقيم بها، وبيننا بلاد وبعض غربة وبحرًا ونهرًا، وتلال، ولكن يتسلل الحنين كل هذه البلاد، حتى وكأني أقيم في بلدتي، يدها تُلامس يدي، وكأنها خلقت لذلك، بلا تكلّف، بلا تصنّع. لم يعد يتغير صوتي حين أُناديها، لا من فرط الخجل أو التوق. حبّنا لم يعُد قصيدةً تُلقى بحماس، بل صار حديثًا هادئًا يُقال بين كوبين من القهوة.

تقف في المطبخ، تُعدّ لي قهوتي كما أحبها، سوداء، قوية، تشبه مزاجي حين يكون متعبًا. أحكي لها عن يومي، أمزح أحيانًا، وأخرى أسبّ، أضحك، فتضحك معي.
إنها تضحك من قلبها على مزحة أقولها، حتى وإن لم تكن مضحكة.
أجلس على كرسي خشبي، أتأملها وهي تُحرك الملعقة في الفنجان، كأنها تفصيلة صغيرة لكنها محبّبة، ومشهد يليق بعيني.

قبل سنوات، كانت تضم قميصي لتشتم رائحته، تُبقيه في الخزانة كأنها تخشى فُقدان أثره.
أما الآن، فالقميص لم يعد بحاجة إلى أن يكون أثرًا، فهو هناك، في سلّة الكوي، كأي قطعة ملابس أخرى، لم يعد رمزًا، بل صار جزءًا من يومياتنا العادية، وعليّ أن أقوم بشراء آخر لأنه أصبح قديمًا.

كانت تُحب هذا القميص الذي يحمل رائحتي ورائحة العطر التي أضعها، لكن الآن يمكننا شراء نفس العطر، ونضعه كل يوم على ألا يأخذ القميص مكانًا نحتاجه في خزانة الملابس.

وتمضي الأيام، وبعضنا لا يحتاج أكثر من أن يكون لطيفًا مع الآخر، ودودًا، آمنًا، مطمئنًا أن يُخبره فقط بأنني معك، أفهمك، اطمئن، ثق تمامًا بذلك.
لا زلنا في البداية، مررنا بأوقات ليست صعبة بما أنها مرت وانتهت، لكننا بِتنا نُدرك جمالية الحياة العادية معًا.

كنت أظن أن الحب يحتاج إلى وعود كبيرة، إلى كلمات عظيمة تُقال في لحظات درامية، لكنني أدركت أنه في الحقيقة أبسط من ذلك بكثير. الحبّ هو أن أكون هنا كل يوم، أن أكون حاضرًا حتى عندما لا تكون هناك حاجة للكلام، لا يحتاج أكثر من أن يطمئن الآخر أنك بجانبه، كأن لسان حالك يطمئنه بقولك أنا هنا، أنا معك، أنا بجانبك؛ لا يحتاج أكثر من أن تكون نبيلًا.

وحيث يعيش الناس، لا الأساطير، يصبح الحبّ شيئًا نشعر به في التفاصيل الصغيرة، لا في القصائد وحدها. يصبح في كوب قهوة يُعدّ على عجل صباحًا، في رسالة قصيرة تقول: “لا تنسَ معطفك، الجوّ بارد اليوم.” في صمت مطمئن بين اثنين لا يحتاجان إلى إثبات أي شيء؛ لأنهما يعلمان يقينًا أنهما معًا.

لم يعد الحب وعدًا بأبديّة ملتهبة، بل صار في تلك اللحظات التي تمرّ دون أن نشعر بها، لأنها مألوفة، لكنها لو اختفت، سنفتقدها بشدّة. صار في القدرة على الجلوس معًا لساعات دون ملل، في الضحك على أشياء لا معنى لها، في مشاركتها أغنية قديمة سمعتها مصادفة، فتبتسم لأنها تعرف أنك أرسلتها لا لشيء، بل فقط لأنك تذكّرتها حين استمعت إليها.

في عيد الحب، لا تحتاج أن تملأ الطاولة بالهدايا، يكفي أن تملأ اللحظة بحضورك. أن تضع يدك على يدها دون تفكير، أن تقرأ لها فقرة من كتاب أحببته، أن تخبرها عن شيء صغير أسعدك اليوم، فتسعد به لأجلك. أن تسألها إن كانت تريد شيئًا من السوق، وتبتسم حين تطلب منك شيئًا غير متوقع، فتذهب لتحضره، ليس لأنه مهم، بل لأن طلبها منك كان يعني أنها تعتمد عليك، ولو في تفصيلة بسيطة.
وهكذا، يصبح الحبّ أكبر من أن يكون ذكرى تُحتفل بها ليوم واحد، بل حياة كاملة تُعاش، بكل ما فيها من عاديّ وبسيط، لكنه حقيقي.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights