المثقف بين ضفة المهمشين وضفة المترفين
حمدان بن هاشل بن علي العدوي
عضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء
عضو المركز العربي للإعلام المتخصص لذوي الإعاقة
“إن رسالتنا كمثقفين هي أن نقف في ضفة المهمشين وليس في ضفة المترفين، وهذا هو طريق الخلود الأوحد”.
ـ د. كيلاني بن حمودة
هذه العبارة تختصر رسالة الفكر والثقافة في جملة واحدة، وكأنها وصية للمثقف الحقيقي: أن يظل منحازًا إلى الإنسان البسيط، وأن يجعل من قلمه ووعيه جسرًا يصل أصوات المهمشين إلى فضاءات المجتمع.
ولعل قيمة هذه المقولة تزداد حين نضعها في سياق سيرة قائلها. فالدكتور/ كيلاني بن حمودة لم يأتِ إلى هذه القناعة من فراغ، بل شق طريقه الصعب في الريف المنسي بإحدى القرى البعيدة. وحين كان طفلًا في سنوات التعليم الأولى، فقد بصره بنسبة لم تسمح له بقراءة الكتب والمقررات، فوجد نفسه مجبرًا على الحفظ عن ظهر قلب، وما بدا حينها ابتلاءً تحوّل إلى نعمة؛ إذ حفظ القرآن الكريم والحديث النبوي والنصوص المدرسية، ثم ارتقى بحفظ مؤلفات جبران خليل جبران والمنفلوطي وجرجي زيدان ومحمود تيمور وعلي الدوعاجي وأشعار فيكتور هيجو، هذا الرصيد رسّخ لديه ملكة الكلمة ووهج الذاكرة، ثم فتح له أبواب الإبداع.
لم يكتفِ بالقراءة والحفظ، بل ترجم تلك التجربة إلى إبداع ملموس، فأصدر مجموعات قصصية مثل وثائق ينقصها التوقيع (2004) على نفقته الخاصة، وخصص عائداتها لأبنائه وتلامذته من ذوي الاعتلال البصري. وكتب للأطفال سلسلة مكتبة السلوك الحضاري وبيوت بلا طيور، حيث نجد السرد مستوحى من هموم الكادحين والمهمشين وذوي العاهات المغيّبة أصواتهم، ولم يكن انحيازه لهم أدبيًا فقط، بل أيضًا إعلاميًا، من خلال برامجه التي قدمها عبر قناة “الإنسان” الفضائية والإذاعة الوطنية التونسية وإذاعة البرنامج الثقافي وراديو “هاندي بلوس” من المغرب، والتي شكّلت منابر لمن لا منبر لهم.
لقد ظلّ الدكتور/ كيلاني وفيًّا لرسالته، يقتطع من خبز ابنتيه ليُشبع الجوع المعنوي للمشردين والمقصيين، ويخطو بخطواته بين ركام معاناة المهمشين غير عابئ بمقاعد المترفين، ولعل سرّ هذه الروح يكمن في إيمانه العميق بما قاله الروائي/ واسيني الأعرج: “إذا كان المثقف في يد المترفين وذوي النفوذ أصبح مجرد جهاز لتفريخ الأفكار”، وهكذا فهم الدكتور كيلاني أن الأدب إمّا أن يكون مأساة تعكس وجع الإنسان، أو ألا يكون.
من هنا، فإن مقولته ليست مجرد عبارة بل خلاصة حياة: إما أن ينحاز المثقف إلى من لا صوت لهم فيصير خالداً، أو ينغمس في مجالس المترفين فيذوب أثره مع زيف اللحظة. وفي هذا الاختيار يتحدد المعنى الحقيقي للثقافة: أن تكون ضميرًا للأمة لا زينةً للصالونات.



