رواية نادية .. ( الفصل 8 و 9 و10)

فايل المطاعني
الفصل الثامن : التحقيق
في قسم شرطة العاصمة، جلس المحقق “رائد الجسّاس” أمام مكتبه الخشبي العتيق، يقلب بين أوراق ملف قديم عليه ختم “سري جدًا”. فتحه بتردد، وبدأ يقرأ:
“نجاة صالح، ٢٨ عامًا… اختفاء غامض منذ ١٠ سنوات، لا أثر لجثتها، لا سجل سفر، لا بلاغ رسمي… الحالة أُغلقت: ظروف غامضة – محتملة الانتحار”.
دخل مساعده “سامي” يحمل بيده ملفًا آخر وقال:
سيدي، تلقينا اتصالًا من مستشفى الأمل… دكتورة تدعى بدرية علي، تريد فتح ملف اختفاء قديم مرتبط بمريضة لديهم. تقول إن هناك خطأ في هوية المريضة.
رفع رائد حاجبه وقال:
خطأ في الهوية؟ بعد ستة أشهر من الإقامة في المستشفى؟
تقول إن المريضة تدّعي أنها ليست نادية، بل أختها نجاة. والأغرب أن صديقة قديمة تعرفت عليها وأكدت الأمر.
سحب رائد الملف من يد مساعده، وقرأ الاسم:
فؤاد سالم؟… زوج نادية؟
قلب الصفحة وتوقف عند سطر مكتوب بقلم أحمر:
> “لم يُبلّغ الزوج عن اختفاء شقيقة زوجته… رغم معرفته المسبقة بحالتها النفسية”.
ابتسم المحقق ابتسامة خفيفة وقال:
هذا ليس مجرد خطأ هوية يا سامي… هذه بداية خيوط جريمة قديمة.
ثم نهض وقال بحزم:
جهّز نفسك. سنذهب إلى المستشفى.
في مستشفى الأمل – ظهرًا
كانت الدكتورة بدرية في انتظارهم. أدخلتهم إلى مكتبها وقدمت لهم تقارير نادية النفسية، وأشارت إلى ملاحظات مهمة:
المريضة تتحدث كثيرًا عن “قبو” و”دم” و”أنفاس أخيرة”، وتقول إن فؤاد دفنها حيّة.
رد المحقق رائد بتركيز:
هل توجد أدلة على ذلك؟ أم مجرد هلوسات؟
لا دليل مادي بعد… لكنها تفاصيل دقيقة تكررت عدة مرات، كما أن النغمة التي تتحدث بها لا تشبه الهذيان… بل الاعتراف.
سأل سامي:
وماذا عن الزوج؟ هل زارها كثيرًا؟
هذه أول زيارة له منذ دخولها المستشفى. جاء فقط ليتأكد من أنها “صامتة”.
صمت رائد لبرهة، ثم قال:
أريد أن أراها.
قالت الدكتورة:
لكن… لا يمكن مقابلتها مباشرة، حالتها النفسية قد لا تتحمل. يمكنكم مراقبتها من الغرفة الزجاجية.
وقف رائد أمام الزجاج، يحدّق في نادية وهي ترسم على الحائط بقلم صغير، رسومات مبهمة: باب، قبو، وسيدة ترتدي ثوبًا ممزقًا… وعين واسعة تنظر من فتحة صغيرة.
تمتم رائد:
هذه ليست رسومات عبثية… هذه ذاكرة تحاول النجاة.
ثم التفت إلى سامي وقال:
افتح ملف نجاة من جديد… وراقب فؤاد سالم. أعتقد أن الوقت حان لننزل إلى “القبو”
يتبع…
المشهد التاسع: القبو
في أحد أحياء المدينة القديمة، توقّفت سيارة الشرطة أمام منزل قديم الطراز، تكسوه النباتات اليابسة، ونوافذه مغطاة بستائر سميكة.
قال رائد وهو ينظر إلى الملف:
هذا هو منزل فؤاد القديم… قبل أن ينتقل إلى فيلّته الجديدة. عاش فيه مع زوجته وأختها بعد وفاة والدهن.
دخلوا المنزل بعد إصدار إذن تفتيش، بمرافقة قوة صغيرة. كان الصمت ثقيلاً كأنه يتنفس معهم، والغبار يغلف كل شيء بطبقة من النسيان.
قادتهم الدكتورة بدرية، التي أصرت على المجيء، إلى باب صغير في المطبخ الخلفي.
قالت:
حسب ما ورد في حديث “نادية” المتكرر… هذا الباب يقود إلى “القبو”.
فتح رائد الباب بصعوبة، فصدر صرير معدني مزعج، وتدفقت رائحة الرطوبة والهواء القديم.
نزلوا بحذر، وكل خطوة على السلالم الخشبية تصدر صوتًا متكسّرًا، كأن المكان يئن من ثقل الذكريات.
كان القبو مظلمًا، ولم يكن يحتوي على أكثر من أدوات قديمة، صناديق مغلقة، ومرآة مكسورة في الزاوية.
قال سامي وهو يسلط المصباح:
لا شيء واضح حتى الآن…
لكن رائد لاحظ شيئًا خلف أحد الرفوف: بلاط مختلف اللون.
اقترب، وجثا على الأرض، طرق عليه… أجوف.
أمر برفعه فورًا.
وفعلاً، لم تمضِ دقائق حتى ظهرت حفرة صغيرة مغطاة بالإسمنت الرطب جزئيًا. نبشها فريق الأدلة الجنائية، وما إن وصلوا إلى عمق متر، حتى صرخ أحدهم .
سيدي! هنا بقايا ملابس… وعظام بشرية!
صمت المكان، وانكمشت الدكتورة بدرية من هول الموقف، بينما وقف رائد مشدوهًا.
قال بصوت خافت:
نادية… أو نجاة… كانت تقول الحقيقة.
ثم أضاف:
القصة التي نُسجت حول الجنون… كانت فقط ستارًا لجريمة قتل.
يتبع…
المشهد العاشر: الصرخة
كانت الليلة ساكنة داخل جناح “الملاحظة النفسية”، لكن العاصفة اشتعلت في صدر نادية.
جلست في زاوية غرفتها، الدمية في حجرها، عيناها شاخصتان إلى السقف… ثم همست:
انظري يا “ليلى”… هل تسمعينهم؟ إنهم يطرقون الباب… مرة أخرى.
ثم وضعت الدمية جانبًا، وبدأت تدور في الغرفة ببطء. كل خطوة منها كأنها تقطع مسافة بين الحاضر والماضي.
وفجأة، ركعت على الأرض، ووضعت يدها على أذنيها، وبدأت تصرخ:
لاااااا… لا تفتحي الباب يا نادية! لا تفتحيه!
كانت الدكتورة بدرية تراقب المشهد من خلف الزجاج، إلى جوارها ممرضة مذعورة، سألت:
هل نحضر لها مهدّئًا؟
هزّت الدكتورة رأسها:
لا… دعينا نرى إلى أين تصل.
وفي الداخل، كانت نادية قد دخلت في حالة استرجاع عميق… عيناها مفتوحتان، لكنها لا ترى الحاضر.
بدأ صوتها يتهدج:
كانت تمطر في تلك الليلة… وأنا في الغرفة أسمع همسات… همسات نجاة تبكي… وتقول “لا أريد الزواج منه، لا أريده”… ثم جاء فؤاد.
سكتت لحظة، ثم نظرت إلى الحائط، وكأنها تراه يتحول إلى باب:
طرق الباب… فتحته نادية… دخل وهو غاضب، صفع نجاة. وأنا؟ أنا كنت أختبئ خلف الستارة. كنت أرتجف.
هنا بدأت الدموع تنهمر من عينيها دون وعي.
رأيته يدفعها… رأسها اصطدم بالزاوية… ثم… ثم الدم… كثير من الدم…
صرخت:
نجاة لم تمت في البداية! كانت تتنفس!
نهضت فجأة وبدأت تضرب الحائط بيديها، تصرخ:
فؤاد! فؤاد دفنها وهي تنظر إليه! كانت تصرخ في عينيه!
تقدّمت إحدى الممرضات لإيقافها، لكن الدكتورة أوقفتها مجددًا.
ثم همست لنفسها:
هذا ليس انهيارًا… هذا تَذكُّر.
وعادت نادية لتهمس، بصوت باكٍ:
ثم… قال لي: “أنتِ نادية الآن، هل تفهمين؟ نادية… زوجتي. نادية لا تعرف شيئًا… نجاة هي من ماتت… أنتِ نادية”.
غطّت وجهها بيديها، وهمست:
كنت صغيرة… خفت. خفت منه… وصدّقت الكذبة.
ثم نظرت إلى الزجاج، مباشرة في عيني الدكتورة، وقالت بصوت خافت:
لكن الكذبة بدأت تخنقني… والصرخة لا تزال في أذني
يتبع…


