تهنئة
السبت: 06 يونيو 2026م - العدد رقم 2938
مقالات صحفية

على حافة الفقد

   أثير بنت محمد السعدية 

ليس القطيعة مجرّد لحظة توديع، ولا كلمة تُنطق على استعجال ثم تنقضي بل هو إحساس ثقيل يثبت في الفؤاد مدة طويلة إنّه ذلك الخواء الذي يخلفه شخص كان يومًا جزءًا من تفاصيلنا اليسيرة، من أحاديثنا العابرة، ومن الأيام التي افترضنا أنّها ستبقى على حالها للأبد.

حين نودّع شخصًا، لا نضيّع وجوده فقط، بل نضيّع شيئًا من كياننا أيضًا. تصبح الأماكن أبرد، وتغدو الأوقات أكثر سكونًا، وتصير الذكريات أشدّ حضورًا من الحقيقة ذاتها. نكتشف أنّ بعض الأفراد لا يعبرون في مسيرتنا مرورًا سطحيًا، بل يتركون بصمة شبيهة بالختم في النفس، لا تُزال بسهولة مهما حاول الدهر أن يُلطّف من وضوحها.

والفراق، رغم صعوبته، ليس دائمًا فقدانًا كليًا. أحيانًا يلقّننا كيف ننمو، وكيف ندرك أنّ البقاء ليس حقًا مضمونًا لأي شخص، وأن أبهى ما نملكه قد يكون زائلًا بطبعه، ومن هذا المنبع تأتي شدته وجماله معًا؛ فهو يتعبنا لأننا أحببنا بصدق، ويتركنا أكثر إدراكًا لثمن من كانوا برفقتنا.

ومع انقضاء الأيام، لا يزول الفراق تمامًا، لكنه يتبدّل. يتحول من ألم حاد إلى حنين رقيق، ومن غياب موجع إلى ذكرى تعيش في القلب دون أن تؤذيها في كل مرّة. نتعلم أن نواصل المسير، لا لأننا نسينا، بل لأن الحياة لا تتوقف عند أحد، ولأن بعض الغياب لا يُشفى إلا بالقبول.

يبقى الفراق واحدًا من أكثر الأحاسيس إنسانية وصدقًا، لأنه يُظهر ضعفنا من ناحية، وقوتنا من ناحية أخرى. وربما لا يكون أصعب ما فيه هو الانسحاب نفسه، بل وعينا المتأخر لمدى قيمة ما كان بيننا وبين الراحلين.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights