الجيل الفضي
إسماعيل بن مسعود بن غفيل الراشدي
أرفع القبعة، وأرتدي «المصرّ» إجلالاً للمؤسسات التي لم تنسَ لحظةً موظفيها الذين أفنوا أعمارهم في خدمتها، أياً كان المنصب أو الدرجة أو المؤهل؛ فالعمل المخلص لا يحتاج إلى شهادة في «برواز»، ولا إلى برجٍ عاجيٍّ للترفّع، أو مكانةٍ اجتماعية يُتدرّع بها وقت الأزمات.
قرأتُ في الثقافات الأجنبية أنهم يطلقون على المتقاعدين مصطلحاتٍ تفيض بالإيجابية، تقديراً لما قدموه، وتبجيلاً للدور المأمول منهم في مرحلة «العمل الحر» بعد انقضاء «العمل النظامي». في أوروبا، يُسمونه «العمر الثالث»، إشارةً إلى الفضاء الجديد بين الشباب والشيخوخة. وفي اليابان، يُلقبون بـ«الجيل الفضي»، كنايةً عن بريق الخبرة ونقاء الحكمة. والأجمل من ذلك أنهم يسألون المتقاعد: «ماذا تستطيع أن تقدم؟» مع توفير كافة التسهيلات؛ ففي تقديرهم، هؤلاء ثروة وطنية لا يجوز التفريط بها، خاصةً من يملك كفاءةً وعلماً.
إن الوعي اللغوي في استخدام المصطلحات ينعكس سلباً أو إيجاباً على نظرة المجتمع للمتقاعد، وهذا ما سيصنفه، شئنا أم أبينا، في خانة «المنتجين» أو في رفوف «المستهلكين عديمي الفائدة». وفي ثقافتنا العربية، بلا تعميم، نحن خبراء في ممارسة فن الإقصاء المغلف بالإشفاق أو التهكم؛ فبدلاً من سؤال الجيل الفضي: «كيف نستفيد منك؟» يكون السؤال دائماً: «ماذا تعمل الآن؟» في إشارةٍ مبطنة إلى أن قيمتك يحددها الكرسي والمحفظة، لا الإمكانات والخبرة.
بعد نهاية الخدمة، تتغير معايير الاختيار في المؤسسات الكبرى؛ فمن «أهلية الأداء» إلى «أولوية الولاء»، أو ما نختصره بـ«الواسطة» ـ إلا ما ندر ـ فلم تعد فرص العمل ثمرةً لعقود من الخبرة، بل نتاج شبكة من العلاقات الاستثنائية التي تجعل من الشخص «ضرورة اجتماعية» قبل أن يكون «قيمة عملية».
كجيل فضي، قد لا نملك تغيير هذا الواقع الجمعي، لكننا قادرون حقاً على تقدير ذواتنا، والانطلاق بقوة نحو طموحاتنا؛ لندرك ما انسلّ من بين أيدينا حين انغمسنا في العمل وتغافلنا عن بناء أنفسنا مادياً وصحياً ومعنوياً. أقول لكل فرد من هذا الجيل: أنت أعلى من التكريم ذاته، ومجدك الداخلي كفيل بنشر التفاؤل بين الموظفين الذين يشتكون أعباء الوظيفة. كن مصباحاً يضيء لهم مكاسب لا يراها المنغمس في التحديات اليومية؛ فغيرهم لم يجد الكرسي ولا الراتب، فليحمدوا الله ويسعوا للأجمل.
كن أنت «الخبير» الذي يُنشد عند الشدائد، والأب الحنون الذي غرس القيم. لا تنثر همومك على من حولك؛ فلديهم ما يكفيهم، بل اتبع شغفك في الرياضة والكتابة والتجارة، وكل ما تمنيته يوماً. نم مستريح البال، ولا تشغل فكرك باستقبال مسؤول أو مدير بابتسامة «دبلوماسية» باهتة، بل ابتسم بصدق لمن حولك؛ فمنهم من يستمد منك القوة والأمل.
هنيئاً لك؛ فقد بتَّ الآن ترى الناس دون أقنعة أو مساحيق تجميل، ولن تحتاج إلى «نظرات ليزرية» لتعرف ما في القلوب؛ فخبرتك وفراستك كفيلتان بتجريد الأفكار، لترى البشر كتاباً مفتوحاً تقرؤه وأنت تحتسي قهوتك بكل ثقة وهدوء. أصدقائي أصحاب العمر الثالث، حافظوا على صحتكم الجسدية والنفسية؛ فهي رأس مالكم، فبدونها ستسقطون في مستنقع الإحباط، وتتأرجحون بين ندم على ما فات، وخوف مما هو آت.
إن التهميش الممنهج لهذه الفئة يترك ندوباً لا تندمل، وقد ينتقل كعدوى إلى الموظفين الحاليين؛ فموظف اليوم هو النسخة القادمة من الجيل الفضي.
رسالة محب إلى كل مسؤول على رأس عمله اليوم: ابذر حبوب الخير في أرضك، فغداً ستخرج من «جنتك» الوظيفية؛ فإما إلى صحراء قاحلة، أو إلى حديقة غناء. الأمر بيدك.


