تهنئة
الأحد: 07 يونيو 2026م - العدد رقم 2939
مقالات صحفية

أبي .. السند الذي لا يميل

  محمد بن سعيد العلوي

ليس كل الرجال تُنصفهم الكلمات، فبعضهم أكبر من الحروف، وأعظم شأنًا من أن تحتويهم السطور. وحين أتحدث عن أبي – حفظه الله وأطال في عمره – فإنني لا أكتب عن رجل عادي، بل أكتب عن رحلة عمرٍ حافلة بالكفاح، وعن قلبٍ امتلأ رحمةً وعطاءً، وعن سندٍ ثابت لم يمل يومًا رغم قسوة الحياة وتقلّب الأيام وتعب السنين.

كان أبي، وما يزال، مدرسةً في الأخلاق، وقدوةً في الصبر، ونموذجًا للرجل الذي تُقاس قيمته بأفعاله لا بأقواله. علّمنا أن الرجولة ليست مظهرًا يُرى، ولا كلماتٍ تُقال، بل مبادئ تُحفظ، وأخلاق تُمارس، ومواقف تظل شاهدة على صاحبها مهما امتد الزمن. عرفناه صابرًا عند الشدائد، ثابتًا عند المحن، كريمًا في عطائه، متواضعًا في مكانته، رحيمًا في تعامله، لا يحمل في قلبه إلا الخير والمحبة والتسامح.

منذ سنوات عمره الأولى، حمل أعباء الحياة بعزيمة المؤمن الصادق، فلم تكن الطرق أمامه معبّدة، ولا الظروف دائمًا مواتية، لكنه واجه التحديات بإيمان راسخ وصبر جميل وكفاح شريف. كان يرى أن السعي من أجل أسرته رسالة، وأن تعب الأب في سبيل أبنائه شرفٌ لا يضاهيه شرف، وأن بناء الإنسان أهم من بناء أي شيء آخر في هذه الحياة.

كبرنا ونحن نراه يستقبل الفجر قبل الجميع، ويودّع يومه بعد أن يطمئن على راحتنا. كان يحمل همومنا قبل أن نبوح بها، ويشعر باحتياجاتنا قبل أن نطلبها. يخفي تعبه خلف ابتسامةٍ دافئة، ويكتم آلامه حتى لا يعكّر صفو أيامنا. كان الأمان حين نخاف، والقوة حين نضعف، والحكمة حين نحتار، والدعاء الصادق الذي يرافقنا في كل خطوة من خطوات العمر.

ولم يكن عطاؤه مقتصرًا على أسرتنا فحسب، بل امتد ليشمل كل من عرفه. فقد عرفه الناس بطيب القلب، ونبل الخلق، وصدق المعاملة، وحب الخير للجميع. كان حاضرًا في المواقف الإنسانية، سبّاقًا إلى فعل المعروف، لا يرد محتاجًا، ولا يتأخر عن نجدة صاحب حاجة، ولا يبخل بكلمة طيبة تزرع الأمل في النفوس. ولذلك ترك أثرًا جميلًا في القلوب، لأن أصحاب القيم الحقيقية يخلّدهم أثرهم قبل أسمائهم.
ربّانا – حفظه الله – على مخافة الله تعالى، وعلى الصدق والأمانة والاحترام والوفاء وحسن الخلق. وغرس فينا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مالٍ أو جاه، وإنما بما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين. علّمنا أن الكرامة رأس المال الحقيقي، وأن الكلمة الصادقة قد تداوي جراحًا لا يراها أحد، وأن الإحسان للناس طريقٌ لا يخيب سالكه.

ومع مرور السنوات، نزداد يقينًا بأن ما قدّمه لنا لم يكن أمرًا عابرًا، بل كان بناءً عميقًا لشخصياتنا وأخلاقنا ومستقبلنا. وكلما تقدمنا في العمر، أدركنا حجم التضحيات التي أخفاها بصمت، وحجم المسؤوليات التي حملها وحده، وحجم الحب الذي أحاطنا به دون أن ينتظر شكرًا أو ثناءً. فالأب العظيم لا يحدّث الناس كثيرًا عن عطائه، لأنه يرى نجاح أبنائه وسعادتهم أعظم وسامٍ يناله.

يا بوي لا قالوا عن الطيب منهو
يكفي أشيّر بالاسم وأقول: هذا أبوي

وإن قالوا الفخر والمعاني الرفيعه
يكفيني إني من رجالك وأنتسب

وأدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن وجود الأب نعمة عظيمة لا يعرف قدرها الإنسان كامل المعرفة إلا حين يتأمل تفاصيل حياته، فيجد أن وراء كل لحظة أمان، وكل خطوة نجاح، وكل شعور بالطمأنينة، أبًا بذل من عمره وصحته وراحته ما لا يمكن أن يُقدّر بثمن. فالأب ليس مجرد فرد في الأسرة، بل هو جدارها المتين، وقلبها النابض، وسفينتها التي تمضي بثبات وسط أمواج الحياة.

وإنني اليوم، وأنا أخط هذه الكلمات، لا أكتب مقالًا فحسب، بل أكتب شيئًا من الوفاء والعرفان لرجلٍ كان لنا بعد الله نعمةً عظيمة، وقدوةً صالحة، وسندًا لا يتزعزع، وظلًا وارفًا من الرحمة والحنان. أكتب لأقول له إن ما زرعه فينا من قيم ومبادئ ومحبة سيبقى حيًا في نفوسنا ما حيينا، وسيظل إرثًا نفخر به ونورثه لأبنائنا من بعدنا.

أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يحفظ أبي، وأن يبارك في عمره، ويمتعه بموفور الصحة والعافية، وأن يلبسه لباس السعادة والطمأنينة، وأن يجزيه عنا خير الجزاء، وأن يجعل ما قدّمه لنا في ميزان حسناته، وأن يرزقنا برّه والإحسان إليه والدعاء له ما بقينا.

فبعض الرجال لا تصنعهم المناصب ولا الألقاب، ولا تخلّدهم الشهرة أو الأضواء، بل تصنعهم المواقف الصادقة، والقلوب التي أحبوها بإخلاص، والأثر الطيب الذي يتركونه خلفهم في حياة الآخرين.

وأبي…
سيبقى في عيني وفي قلبي وفي دعائي ذلك الرجل النبيل الذي تعلّمت منه معنى القوة حين تقترن بالرحمة، ومعنى العطاء حين يكون بلا حدود، ومعنى الحب حين يُترجم أفعالًا لا أقوالًا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights