سُبات الضمير في ليل التائهين

حسين بن علي الدروشي
في ليلة من ليالي العمل الطويل، وبينما كان السكون يغلف الأرجاء، استدركني الوقت ونهش جوع البطن أمعائي، مرسلاً مؤشرات حادة للعقل بوجوب التوقف عن مواصلة رصد وتعبئة استمارة مؤشر التواصل والتفاعل التي انهمكت فيها، لأجد أن عقارب الساعة تقترب من الثالثة فجرًا. قررت الخروج في تلك الساعة المتأخرة باحثًا عن مطعم أو مقهى يسد جوعي، وكنت أظن واهمًا أنني الكائن الوحيد الذي بقي ساهرًا على كدحه وعمله في هذا الصقيع، إلا أن دهشتي كانت صاعقة حين وجدت الواقع ينطق بخلاف ذلك تمامًا. لقد راعني مشهد جلسات الشباب المنتشرة في بقاع واسعة من أرصفة المدينة وساحاتها، ورغم أن البرد كان شديدًا يفتت العظام، لدرجة أن الحيوانات في جحورها قد انزوت بحثًا عن الدفء الفطري، إلا أن البشر كانوا يعاكسون منطق الطبيعة والكون. كانت الضحكات والصرخات تعلو من كل مجموعة، وكأن ليل المدينة تحول إلى مسرحٍ للعبث الصاخب، واستغربت بمرارة كيف لهؤلاء أن يهجروا زوجاتهم وأبناءهم وبيوتهم التي هي أولى بوجودهم ودفعهم، ليفترشوا البرد خلف شاشات الهواتف. إنها تراجيديا اجتماعية ممعنة في الألم، حيث يضيع العمر تحت مسمى “الصداقة”، غارقين في تصفح مواقع التواصل وتطبيقات الألعاب التي تسرق الروح قبل الوقت، أو منغمسين في ثرثرة عقيمة تنهش في أعراض الناس داخل مجموعات “الواتساب” التي لا تغني من جوع، بل تزيد القلب قسوة والتنمر على الآخرين وكأن الحياة مجرد مزحة ثقيلة.
والمصيبة الكبرى التي تدمي الفؤاد، هي ما يتركه هؤلاء خلفهم من أثر يندى له الجبين، ففي صباح اليوم التالي لتلك الجلسات العبثية، وبينما يغط هؤلاء “الأبطال” في سباتهم العميق، يخرج عمال النظافة الكادحون ليجمعوا بقايا ومخلفات الأكل والشرب التي تركوها عمدًا وبوعيهم الكامل، في مشهد ينم عن انعدام المسؤولية الأخلاقية والبيئية. أهكذا نكافئ من ينظف مدننا؟ بأن نترك له مخلفات سهراتنا الضائعة؟ والأدهى من ذلك كله، هو كيف لهؤلاء الساهرين أن يقضوا أوقات عملهم صباحًا؟ كيف لجسدٍ استُنزف حتى الفجر في الضحك واللعب والثرثرة أن يعطي إنتاجًا حقيقيًا في وظيفة أو مهنة؟ إن ناتج عملهم ليس سوى جسدٍ خاوٍ، وعقلٍ مشتت، وعيونٍ حمراء يغالبها النعاس، مما يحول مؤسساتنا إلى ردهات للانتظار والكسل، وتعطيل مصالح العباد ببرودٍ تام. إنها خيانة للأمانة، أمانة الجسد، وأمانة العمل، وأمانة الأسرة التي تنتظر عودة “رجل” ليقوم بشؤونها، فإذا به “شبح” ينام طوال النهار ليعيش في الليل. والأنكى من ذلك، أن البعض منهم يسمع أذان الفجر يتردد في الآفاق، وبكل قوة قلب وتجاهل مخيف لنداء الدين، يغلقون هواتفهم ويذهبون للنوم، متجاهلين نداء “الصلاة خير من النوم”، ضاربين بعرض الحائط صلتهم بخالقهم واحتياجات منازلهم التي تئن من الإهمال.
يا أيها المجتمع الغارق في سكرات التكنولوجيا والرفقة الزائفة، استفق من هذه الغيبوبة، فالحيوان بفطرته يعلم أن الليل للسكن والنهار للمعاش، فكيف للإنسان المكرم بالعقل أن يعكس الآية ويحرق أيامه في رماد السهر؟ إن الصديق الذي لا يعينك على القيام بمسؤولياتك هو عدو في ثوب رفيق، والوقت الذي تقضيه في التنمر على الآخرين خلف الشاشات هو دين سددته من رصيد كرامتك. الحل يبدأ بوقفة حازمة، بأن ندرك أن الرجولة والمسؤولية تقتضي أن نكون في بيوتنا حين يحتاجنا أبناؤنا، وأن نكون في محاريبنا حين ينادينا خالقنا، وأن نكون في قمة نشاطنا حين ينادينا العمل لبناء الوطن. كفوا عن هدر أعماركم في “دردشات” لا تزيدكم إلا فقرًا روحيًا، واستبدلوا ضجيج الأرصفة بحديث دافئ مع زوجاتكم وأطفالكم، ففي نهاية المطاف، وبعد أن تنطفئ كل الشاشات وتصمت كل المجموعات، لن تمنحك الدنيا يومًا شيئًا أثمن من الأهل، ولن تجد حضنًا يلملم شتاتك أدفأ من حضن منزلك الذي أهملته من أجل سراب راحل. عودوا إلى رشدكم، وارحموا أنفسكم، وارحموا من ينظف خلفكم، فالليل لم يُخلق لنعصي فيه الفطرة، بل لنستعد فيه ليوم عملٍ مشرقٍ كريم.
اللهم اهْدِ شبابنا وبصّرهم بمواطن القوة في أعمارهم، واجعلهم ذخرًا لبيوتهم ومجتمعهم. اللهم احفظ بيوتنا من التفكك والضياع، وازرع فيها المودة والرحمة والمسؤولية، وحصّن وطننا بسواعد أبنائه الواعين المخلصين الذين يقدرون قيمة الوقت وشرف العمل. اللهم ردنا إليك ردًا جميلًا، واحفظ بلادنا من كل سوء، واجعل الفلاح حليفنا في الدنيا والآخرة.



