عندما يكون الحوار عقيماً
ثاني بن مبارك الحبسي
الحوار فن من فنون التواصل الإنساني، وأحد أهم وسائل التقارب وتبادل الأفكار بين الناس. ولا يمكن لأي حوار أن يحقق أهدافه ما لم يستند إلى مجموعة من الآداب والقيم التي تضبط مساره وتمنحه معناه الحقيقي.
ومن أبرز آداب الحوار: الإنصات الجيد للطرف الآخر، واحترام وجهة نظره، وعدم التسرع في إصدار الأحكام على آرائه، والالتزام بنبرة هادئة بعيدًا عن الانفعال، وإتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن أفكارهم دون مقاطعة أو استحواذ على مجريات النقاش.
فالحوار الناجح ليس ساحة لإثبات الغلبة، ولا وسيلة لفرض الرأي، وإنما مساحة للبحث عن الحقيقة وتبادل المعرفة والوصول إلى فهم أعمق للقضايا المطروحة.
ذات يوم، كنت في جلسة نقاش جمعت عددًا من الشباب، وكانت الأحاديث تتنقل من موضوع إلى آخر، وكلٌّ يدلي برأيه وفق ما يملك من معرفة ومعلومات، بينما كنت أكتفي بالإنصات في معظم الوقت.
وخلال الجلسة طرح أحد الحاضرين موضوعًا جديدًا للنقاش، وكان من الموضوعات التي أجد فيها اهتمامًا خاصًا ومعرفة جيدة، لذلك شاركت في الحوار بهدوء، ووجهت إليه سؤالًا أردت من خلاله أن أتعرف على مدى إلمامه بالموضوع.
ومن خلال إجابته، تبيّن لي أن معلوماته حول القضية المطروحة محدودة، وأنه لا يملك من الأدلة والمعطيات ما يمكنه من بناء موقف متماسك أو الدفاع عنه بصورة مقنعة. ومع ذلك، واصلت النقاش على أمل أن يكون الحوار فرصة لتبادل المعرفة وتصحيح بعض المفاهيم.
لكن مع تقدم الحوار بدأ مساره يتغير؛ فبدلًا من التركيز على جوهر الموضوع، أخذ الطرف الآخر ينتقل من فكرة إلى أخرى، ويبتعد تدريجيًا عن صلب النقاش. ومع ضعف الحجج وغياب الأدلة، ارتفعت نبرة صوته، وأصبح الهدف الظاهر هو الانتصار للنفس أكثر من البحث عن الحقيقة.
عندها أدركت أن الحوار فقد أهم مقوماته، وأن الاستمرار فيه لن يحقق الفائدة المرجوة. فآثرت التوقف، وقلت له قبل أن أنهي النقاش:
«ليس عيبًا أن يعترف الإنسان بحدود معرفته، أو بقلة معلوماته في بعض الأمور، فالإنسان لا يحيط بكل شيء علمًا. لكن العيب أن يدّعي المعرفة المطلقة، ويصر على موقفه رغم افتقاره إلى الدليل والمعرفة الكافية».
غادر الرجل المجلس وقد بدا عليه شيء من الاستياء، أما أنا فخرجت بقناعة أكثر رسوخًا؛ وهي أن بعض الحوارات لا تُهزم فيها الفكرة، بل تُهزم فيها آداب الحوار نفسها.
فعندما يتحول النقاش إلى جدل عقيم، ويصبح الهدف منه إثبات الذات لا الوصول إلى الحقيقة، فإن أفضل ما يمكن فعله هو التوقف. فليس كل حوار يستحق الاستمرار، وليس كل نقاش يؤدي إلى نتيجة.
إن الحكمة لا تكمن دائمًا في القدرة على مواصلة الجدل، بل أحيانًا في معرفة اللحظة المناسبة للانسحاب منه؛ لأن الحوار الذي يفقد الاحترام والإنصات والموضوعية، يتحول إلى حوار عقيم لا يضيف معرفة، ولا يحقق فائدة، ولا يقود إلى تفاهم.
أرى أن هذه النسخة أكثر نضجًا من الناحية المقالية، وأقرب إلى النشر الصحفي والثقافي؛ لأنها انتقلت من السرد الشخصي المباشر إلى استخلاص فكرة عامة ورسالة تربوية يمكن للقارئ أن يتفاعل معها بسهولة.



