وأصبح الحمار سيّد الحظيرة
ثاني بن مبارك الحبسي
قرر فلاح ميسور الحال أن يشتري حماراً ليعينه على بعض أعماله اليومية في مزرعته، فنزل إلى سوق القرية، ووجد حماراً معروضاً للبيع بسعر زهيد، لكنه كان كثير النهيق، ولعل صاحبه قرر بيعه لهذا السبب.
تعجب الرجل من أمر الحمار، وقال في نفسه: لعله يعاني جوعاً أو عطشاً. ثم ذهب إلى صاحب الحمار للتفاوض.
فرح صاحب الحمار عندما رأى جدية الرجل في الشراء، فأخذ يمدح الحمار، ويصف نشاطه وإقباله على العمل، غير أن ما أقلق الرجل هو كثرة نهيق الحمار، فأبدى مخاوفه لصاحبه. ارتبك صاحب الحمار قليلاً، ثم قال: لا عليك، ربما سيتوقف عن الصياح عندما يجد طيب المأوى، فلا تقلق.
تردد الرجل قليلاً وهو في حيرة من أمره، ثم قرر شراء الحمار رغم معرفته بعيبه. أخذ الحمار وهو في فرح ممزوج بقلق؛ فقيمته زهيدة، لكنه كثير النهيق.
ولما وصل إلى بيته الصغير في أطراف القرية، أخبر زوجته آملاً أن تشاركه فرحته، لكنها لم تعلق سوى بابتسامة قصيرة تبعها صمت يخفي وراءه شيئاً ما.
ذهب الرجل سريعاً ليربط الحمار في المكان الذي خصصه له، وقدم له بعض الطعام والماء، أملاً أن يبدأ العمل في الصباح الباكر. عاد الرجل إلى بيته ليأخذ قسطاً من الراحة ويضع خطته للغد، لكن الحمار، كعادته، لم يتوقف عن النهيق، وأقبل الليل وهو على حاله. لاحظت الزوجة كثرة صياحه فاستنكرت ذلك، ورغم علم الرجل بالأمر، تظاهر بأن كل شيء سيكون على ما يرام.
مرت ثلاثة أيام والحال على ما هو عليه، ولم تطق الزوجة ذلك، وفقدت صبرها، فطلبت من زوجها أن يربط الحمار بعيداً أو يجد حلاً سريعاً. علم الرجل أنه لا جدوى من محاولة إرجاع الحمار إلى صاحبه الأول، كما لا جدوى من إقناع زوجته بالصبر، فقد بلغت حدها.
فكر الرجل في أن يطلق الحمار لسبيلـه، لكنه إن فعل ذلك سيخسر المال والحمار معاً.
وبينما هو جالس يوماً على الطريق، حائراً يفكر في الخلاص من مشكلته، مرّ به أحد أصدقائه القدامى، فتبادلا السلام والحديث. شكا الرجل لصديقه مشكلته مع الحمار الذي اشتراه منذ أيام قليلة، وبعد إنصاتٍ قال له الصديق: بكم تبيعني الحمار؟
استغرب الرجل من رده، وظن أنه يمزح، لكنه تيقن من جديته، فسأله: أحقاً ترغب في شرائه؟ فأجابه: نعم.
قال الرجل وهو يخفي فرحاً داخلياً: لا أريد فيه ربحاً، يكفيني أن أسترد مالي وأتخلص من الحمار. فباعه بالقيمة التي اشتراه بها، ووافق الصديق فوراً رغم علمه بعيبه في كثرة النهيق.
كان لدى ذلك الصديق حظيرة دواجن تتعرض دائماً لسرقة الثعالب والذئاب، ولم يتمكن من الإمساك بها أو القضاء عليها؛ إذ كانت تأتي غالباً بعد منتصف الليل حين يهدأ المكان ويخلو من الأصوات. فقرر شراء الحمار، لعل كثرة نهيقه تكون رادعاً لتلك المفترسات، فتظن أن المكان لا يزال يعج بالحركة، فلا تقترب من الحظيرة.
اتفقا على البيع، ورأى كل منهما في قرارة نفسه أنه تخلص من همه، فكان البيع لا ضرر فيه ولا ضرار عليهما. أخذ الرجل حماره الجديد، وذهب به إلى قريته، وربطه قرب حظيرة الدواجن، وصار يحرص على توفير الطعام والماء له.
مرّ الأسبوع الأول، ولاحظ صاحب الحظيرة أن الوضع أصبح جيداً، ولم ينقص شيء من الدواجن. واستمر الأمر لبضعة أشهر في حالة من الاستقرار، فقد توقفت سرقة الثعالب والذئاب بسبب صوت الحمار وصياحه المستمر، وبدأ عدد الدواجن بالتزايد.
صار أداء الحمار مكملاً، بل أساسياً، لدور الكلب الذي وضعه المزارع سابقاً حول الحظيرة؛ إذ كانت المفترسات تجد ثغرات وتتغافل عنه أحياناً، أما وجود الحمار بصياحه الدائم فقد سد تلك الثغرات وعالج نقطة الضعف.
أثبت الحمار نجاحه في أول تجربة له، وصار له شأن لا يمكن إنكاره. واستراح من الأعمال الشاقة التي تقوم بها بقية الحمير، إذ اقتصر دوره على الأكل والشرب والصياح. وكانت بعض الحمير التي تمر محملة بالأثقال تغبطه على وضعه المريح، وتتمنى لو كانت مكانه.
ومع ازدياد أعداد الدواجن، قرر المزارع توسيع الحظيرة، بل عزم على إنشاء حظيرة أخرى للأغنام بالقرب منها، بعد أن شعر بالطمأنينة، فصياح الحمار المستمر جعل المكان يبدو وكأنه يعج بالحركة ليلاً ونهاراً، فلم تجرؤ المفترسات على الاقتراب.
ونظراً لحسن أداء الحمار، قرر المزارع أن يزيد في إكرامه ويرفع من مكانته، وكلما زاره ضيف قال مفتخراً: هذا الحمار هو سيد الحظيرة. وقد تبدو عبارته مزاحاً، لكنها في قرارة نفسه تعبير صادق عن تقديره وارتياحه.
ورغم أن صياحه قد يكون مصدر إزعاج للبعض، إلا أن هذه الضوضاء نفسها قد تكون مطلوبة عند آخرين، تبعاً للظروف والمصالح. وبرغم استنكار الآخرين، أثبت الحمار أنه حقق إنجازاً في نظر صاحبه، فحفظ مصالحه وحقق له ما لم يكن يتوقعه، وأصبح له دور مكمل، بل أساسي، في استقرار أوضاع الحظيرة. وهكذا أصبح الحمار في نظر صاحبه سيد الحظيرة.



