الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
الخواطر

حلم ما زال هناك ..

   سليمان بن حمد العامري

في داخلي شيء لا أنكره،

صوتٌ لا يعلو، لكنه لا يسكت.

يظهر كلما هدأ العالم من حولي،

ويمسك بي دون أن يراه أحد،

كأنه يختار أوقات الصمت ليقول لي ما لا يُقال.

ليس رعبًا، ولا قلقًا عابرًا…

بل هو ظلٌّ يسير خلفي،

يرافقني في الطرقات الخالية،

ويختبئ في تفاصيل الجدار،

وفي صمت المجالس،

وفي تردّد خطواتي حين أحاول العودة إلى ذاتي.

وكلما حاولت أن أتناساه،

عاد في هيئة ثقلٍ في يدي،

وضيقٍ في صدري،

وإرهاقٍ لا يُفهم سببه…

كأن الجسد يتذكر ما تحاول الروح نسيانه.

أعلم أنني تأخرت…

أعلم أنني تنازلت ذات مرة،

وأنني خذلت نفسي حين اخترت أن أعيش كما يُراد لي، لا كما أريد.

أعرف تمامًا أنني تركت شيئًا من حقيقتي خلفي،

في محطةٍ لم ألتفت إليها جيدًا.

ومع هذا…

لم أنسَك.

لم أنسَ وجهي القديم،

ذلك الوجه الذي كنت أراه بوضوحٍ حين أغمض عيني بثقة.

لم أنسَ أول طموحي، ولا أول رعشة حلم…

التي كانت تسرقني من العالم إلى داخلي.

إنني أعود…

ولو زحفت، أعود.

ليس لأن الطريق سهل،

بل لأن النداء الذي بداخلي أقوى من كل هذا الصمت.

يراودني شيء لا يُرى…

كل حلمٍ مزعج، كل سطرٍ غير مكتمل،

كل لحظةٍ أحاول فيها الهروب،

لكن كأن جنية الكتابة في داخلي

توقظ فيّ لهيبًا يكاد ينطفئ،

فأجدني أعود إليها منكسراً، كأنها هي وحدها من تفهمني.

وكلما كتبت، شعرتُ براحةٍ خفية،

تنبعث من مكانٍ لا أعرف له اسمًا،

كأنني أُفرغ شيئًا كان سيقتلني لو بقي في داخلي.

لكن هذه الراحة لا تدوم طويلًا…

فثمّة توتر غريب،

يثقل يدي المتعبتين،

كأن شيئًا ما يسكن أطرافي،

يريد أن يُبقيني متصلاً بالورق،

أن لا أنجو من هذا الألم بسهولة.

إنني أشعر بشيءٍ غريب ومؤلم…

شعور لا يُشرح، ولا يُدرَك إلا حين يُعاش.

وإذا لم تذقه، فلن تحس بثقل ما يعيشه أصحابه.

أتساءل أحيانًا…

هل كل كاتبٍ تأملي، قصصي، أدبيّ،

يحمل في قلبه مخلوقًا لا يعرفه سواه؟

يحدّثه، ويشاكسه، ويؤنبه،

ثم يضطره لأن يرى العالم بعينٍ لا تشبه أحدًا؟

ذلك المخلوق الذي يسكننا لا يُكتب،

بل هو من يكتبنا.

هو من يرسم الدهشة في الفكرة،

ويغزل الحزن في السطر،

ويوقظ فينا تصوّرات لم نكن نعلم أننا نملكها.

نحن لا نكتب لأننا نعرف،

بل لأننا نبحث عمّا نجهل.

نكتب لأن هناك جرحًا لم يلتئم،

وصوتًا لم يُسمع،

وروحًا تتوق لأن تقول: أنا هنا، وأنا حقيقية.

نكتب لنُذكّر أنفسنا

أننا ما زلنا أحياء،

وأن هذا الألم… له معنى.

وأن حلمًا ما… ما زال هناك.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights