نقطة أول السطر: إدراك النعمة .. نعمة

عادل بن حميد الجامعي
ليست النعمة فقط أن تُرزق ما تحب، بل أن تُرزق وعيًا بما لديك. إدراك النعمة، بحد ذاته، نعمة عظيمة تُبدل النظرة، وتُعدل الشعور، وتغمر الحياة بمذاق الشكر، ولو كانت الأيام جافة أو المواقف مريرة. حين تُبصر القلب نعمةً في قلبك، وتُحسن تسمية ما بين يديك فضلًا لا استحقاقًا، وسعةً لا عبئًا، وهديةً لا مصادفة.. فأنت قد ارتقيت من مقام التقلّب إلى مقام الثبات، ومن حال الغافلين إلى حال الشاكرين.
إن أخطر ما يُفسد النعمة في حياة الإنسان هو الاعتياد، وأخطر ما يُطفئ نورها هو الغفلة. كم من شخص يعيش في خيرٍ عظيم، لكنّه يظن أن ما هو فيه تحصيل حاصل! لا يرى أطفاله إلا ضوضاء، ولا صحته إلا وضعًا طبيعيًا، ولا بيتًا يأويه إلا سقفًا لا بد منه. تمر عليه النعم كما تمر عليه الأيام، باردة بلا امتنان، وساكنة بلا توقير.. فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ فإذا أُخذت منه النعمة – فجأة – عرف ما لم يعرف، وشعر بما لم يشعر، وتألم بحسرة الفوات!
وهنا تتجلى عظمة: إدراك النعمة.. أن تستيقظ من غفلتك قبل أن توقظك المصيبة، أن تفتح عينيك على ما كنت تُغمض عنه قلبك، أن تسجد شكرًا لله على ما كنت تمرّ عليه مرور اللاهث… فإذا النعمة، بعد أن كانت مغلّفة بالسكون، تنفجر فيك بهجة.. وإذا القلب، بعد أن كان ممتلئًا بالمطالب، يُصبح خاشعًا متواضعًا في حضرة الموجود.
ومن أعظم ما يُدركه القلب نعمةً: أن يُدرك أن برّ الوالدين ليس واجبًا فقط، بل توفيق وفضل، ومنحة ربانية لا تُمنح لكل أحد. كم من أبٍ يتمنى أن يحنو عليه ولده فلا يجده. وكم من أمّ تتوق لابنها أن يُقبّل رأسها في شيخوختها، فلا يزورها إلا الغياب. أن تكون من أولئك الذين يرون في والديهم سُلّمًا إلى الجنة، لا عقبةً في وجه الراحة، هو نور في القلب ما بعده نور.. وقد قيل: ليس كل من رُزق والدين، رُزق قلبًا بارًا، ولكن من رُزق قلبًا بارًا، فقد رُزق أعظم من كثير من الدنيا.
ولنذكر مثالا – وإن كان خاطفًا – قد يُصدقه القلب قبل العقل، وقد يُوثّق بمئات النماذج الواقعية المماثلة، لكنه كذلك يجد تأصيله في دراسات علمية معتبرة. فمثلاً، أن تبرَّ بوالديك من غير تذكير، من غير انتظار موعظة أو ظروف طارئة توقظك، فتلك نعمة. لكن أن تُدرك أنّك تُمارس البرّ بنعمة من الله، وأنك لا تزال قادراً على السعي في مرضاتهما، هو إدراكٌ يرفعك إلى مرتبة النعمة المتجاوزة للعادة. وهذا الإدراك بالذات، هو ما تعضده دراسة منشورة في مجلة Journal of Psychology and Theology عام 2023 تحت عنوان: Different Interpretations of ‘Honor Your Parents (Esiaka, D. K., 2023)
تبيّن الدراسة أن مفهوم برّ الوالدين لا يحمل نفس التفسير بين الأفراد والثقافات، بل يرتبط بدرجة الإدراك الواعي لهذا البرّ.. وتذكر أن الأشخاص الذين يربطون برّهم لوالديهم بمعاني روحية أو أخلاقية سامية – وليس مجرد واجب اجتماعي – يحققون درجات أعلى في مستويات الرضى النفسي والسلام الداخلي.
هذه النقلة النوعية من مجرّد أداء السلوك إلى الشعور العميق به، ومن التزام ثقافي إلى حسّ تعبّدي خالص، هي ما يجعل البرّ بذاته وسيلة لبناء الذات.. فأن تبَرّ، يعني أن تُنقّي نفسك، أن تُعيد بناء عواطفك الداخلية بتوازن. أما أن تُدرِك أن الله هو الذي وفّقك لذلك البرّ، فهو ما يُسمّى بالهبة المركّبة: نعمة البرّ، ونعمة الإدراك، ونعمة النية.
بل هناك من يربط إدراك النعمة – ومنها نعمة البر – بما يُعرف في علم النفس الإيجابي بمفهوم Gratitude Priming، أي تهيئة النفس للشكر، مما يُحفّز إنتاج مواد كيميائية في الدماغ ترفع من جودة الحياة، مثل السيروتونين والدوبامين. فحين تشكر، تتعافى. وحين تُدرك النعمة، تُشفى من الغفلة، ويصفو القلب ليتلقى مزيدًا من العطاء.
والحق أن إدراك النعمة ليس مرحلةً شعورية فحسب، بل موقفًا عقليًا وروحيًا يُغيّر سلوكك اليومي.. حين تُدرك أن الوقت نعمة، تُحسن استثماره.. وحين تُدرك أن الزواج نعمة، تُجيد صيانته.. وحين تُدرك أن النَّفَس الذي يخرج منك الآن دون أن تشعر، هو نعمة، فإنك لن تُسيء استخدامه في ضيق ولا نكد ولا حنق على من حولك.. كل ما تُدركه بعين الشكر، يتغيّر في عينيك.
وتعلمنا من بعض علمائنا رحمهم الله قولهم: “من لم يشكر النعمة، فقد عرّضها للزوال، ومن شكرها، فقد قيدها بقيدٍ من نور”. والشكر لا يأتي قبل الإدراك. ولذلك قيل: الإدراك نعمة الشاكرين، والغفلة فتنة الجاحدين.
نقطة أول السطر:
أخي الحبيب أختي العزيزة، كلما وقعت عيناك على وجه أمّك، أو كلما رنّ هاتفك باسم أبيك، قلت في نفسك: الحمد لله أنني ما زلت أستطيع أن أبرّ، أن أخدم، أن أُقبل، أن أُرضي، أن أُسرّ، أن أكون نعمةً في حياتهما كما كانا نعمةً في حياتي.
ليس البرّ واجبًا يُؤدى فقط..
إنه نعمة يُدركها الأذكياء في قلوبهم قبل أن تتحوّل إلى حسرة بعد الفوات!
أتُراك تُدرك النعمة الآن؟
إذن.. أنت في نعمة أخرى.


