قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة… خطوة راسخة نحو مجتمع أكثر شمولًا وعدلًا

مسقط – النبأ
تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – وأصدر يوم الاثنين الماضي مرسوماً سُلطانياً رقم (92/2025) بإصدار قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في خطوةٍ تجسد التزام سلطنة عُمان الراسخ بصون كرامة الأشخاص ذوي الإعاقة وضمان حقوقهم، وترسيخًا لنهج تمكينهم ودمجهم الشامل في مسارات التنمية المستدامة.
ويأتي إصدار القانون انسجاماً مع التوجيهات السامية لجلالة السلطان المعظم – حفظه الله – بإنشاء قطاعٍ جديد بمستوى وكيل وزارة ضمن هيكل وزارة التنمية الاجتماعية يتولى الإشراف بكل ما من شأنه الارتقاء بالخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة، والاهتمام بهذا القطاع ومعالجة تحدياته، والعمل على ضمان تمكين ذوي الإعاقة وإدماجهم بصورة أكثر فاعلية لتعزيز دورهم في بناء المجتمع، وتسهيل سبل التعليم لهم في مختلف مراحله.
حيث يعد القانون محطة تشريعية بارزة تؤكد توجه سلطنة عُمان نحو تعزيز مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين جميع فئات المجتمع، ويكفل تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة بحقوقهم كاملة دون تمييز، ويعزز مشاركتهم الفاعلة ودمجهم وتمكينهم في المجتمع بما ينسجم مع السياسات الوطنية والاتفاقيات والمعايير الدولية ذات الصلة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويتضمن القانون 77 مادة قانونية موزعة على خمسة أبواب، تناولت التعاريف والأحكام العامة، وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في سبعة مجالات رئيسة تشمل: الحقوق المدنية، والتعليمية، والصحية، والاجتماعية، والثقافية والرياضية، والاقتصادية، وحق العمل، إلى جانب أبوابٍ مخصصة للتأهيل ، واللجنة الوطنية للأشخاص ذوي الإعاقة، والعقوبات.
وقد عرف القانون الأشخاص ذوي الإعاقة، هو كلُّ من لديه قصور طويل الأمد في الوظائف الجسدية أو العقلية أو الذهنية أو الحسيّة أو الاجتماعية؛ قد يمنعه من التعامل مع مختلف الحواجز البيئية أو الشخصية من المشاركة بصورة كاملة وفعّالة في المجتمع بالمساواة مع الآخرين، في حين عرف الأشخاص الأكثر احتياجا، بأنهم الأشخاص ذوي الإعاقة، المعرضون للاستغلال أو الحرمان الجسدي أو العاطفي أو الاقتصادي أو النفسي، إما لكبر السن، أو للمشاكل الصحية المزمنة، أو للوضع الاجتماعي، أو للعوامل البيئية، أو أيّ سبب آخر.
وكفل القانون تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ويضمن عدم التمييز بينهم على أساس الإعاقة أو الجنس، ويعمل على تمكينهم من الاندماج في مختلف المجالات وتحقيق تكافؤ الفرص مع غيرهم. كما يسعى إلى إزالة الحواجز في البيئات المحيطة التي قد تعيق تمتعهم بحقوقهم، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر احتياجًا، وتوفير كافة الوسائل اللازمة لحمايتهم ورعايتهم وتأهيلهم بما يعزز استقلاليتهم ومشاركتهم الفاعلة في المجتمع.
كما تضمن القانون إنشاء السجل الوطني للأشخاص ذوي الإعاقة، ويلتزم ولي أمر الشخص ذي الإعاقة بتسجيله في السجل وفق الإجراءات المحددة. كما تـُـصدِر الوزارة بطاقة للأشخاص ذوي الإعاقة المسجلين في السجل، والتي تعد وثيقة رسمية في التعامل وفقا لأحكام القانون. وألزمت المادة (7) من القانون الجهات المعنية بتوفير مترجمين مؤهلين للغة الإشارة، وذلك على النحو الذي تبينه اللائحة، كما تلتزم بتوفير خدماتها المقدمة إلكترونيا بطريقة برايل، إضافة إلى توفير الموارد المالية اللازمة لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من التمتع بحقوقهم. ويؤكد القانون على أن أحكامه لا تخل بأي نصوص في قوانين أخرى تمنح الأشخاص ذوي الإعاقة حقوقًا تفضيلية.
وتناول الباب الثاني من القانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وشمل الحقوق المدنية والصحية والتعليمية والاجتماعية والثقافية والرياضية والاقتصادية وحق العمل. وفيما يخص الحقوق المدنية، كفل القانون للأشخاص ذوي الإعاقة التمتع بالحقوق والواجبات العامة المقررة في النظام الأساسي للدولة والقوانين النافذة دون تمييز، وضمان حقهم في التقاضي مع اتخاذ الجهات المعنية للإجراءات اللازمة لتيسير ممارسته. كما يضمن القانون الحرية الشخصية والأمن والسلامة، ويحظر تقييد الحرية بسبب الإعاقة، ويكفل حمايتهم من العنف والاستغلال والإساءة، مع الحفاظ على كرامتهم وسمعتهم وشرفهم.
وينص القانون أيضًا على تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من المشاركة السياسية من خلال تسهيل الإجراءات الخاصة لتيسير حق مشاركتهم في عمليات الترشح والتصويت في الانتخابات، وتمثيلهم في مجالس إدارة الجمعيات التي تعنى بهم. ويحرص القانون على تيسير استفادة الأشخاص ذوي الإعاقة من الخدمات العامة، بما يشمل المباني التعليمية والثقافية والدينية والرياضية والتجارية، إضافة إلى الخدمات المصرفية، ويضمن تصميمها بطريقة شاملة تلبي احتياجاتهم. كما يتيح لهم العيش باستقلالية والمشاركة الفاعلة في الحياة اليومية، مع إزالة العقبات والمعوقات أمام وصولهم إلى البيئة المادية ووسائل النقل والمعلومات والاتصالات، بما يعزز دمجهم الكامل في المجتمع.
وفي مجال التعليم والدعم الأكاديمي، يكفل القانون للأشخاص ذوي الإعاقة الحق في التعليم بجميع أنواعه ومساراته بالمساواة مع غيرهم، ويمنع حرمانهم من هذا الحق بسبب الإعاقة. ويشمل ذلك تخصيص نسبة من البعثات والمنح الدراسية للدراسات الجامعية الأولى والدراسات العليا داخل السلطنة وخارجها للأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى وضع برامج دمج تتيح لهم التعلم جنبًا إلى جنب مع أقرانهم في مختلف المؤسسات التعليمية. كما يقضي القانون باقتراح وتنفيذ سياسات وبرامج تعليمية مدمجة تستهدف الأشخاص ذوي الإعاقة الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و22 عامًا، لضمان توفير فرص تعليمية متكافئة وتعزيز اندماجهم في المجتمع منذ المراحل الدراسية المبكرة وحتى التعليم العالي.
وفي مجال الصحة والرعاية، يكفل القانون للأشخاص ذوي الإعاقة الحصول على الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية والتأهيلية، بما يضمن تلبية احتياجاتهم الصحية بشكل كامل. ويشمل ذلك توفير التجهيزات الطبية المناسبة في مساكنهم، وتقديم الرعاية الصحية الخاصة للمرأة ذات الإعاقة خلال الحمل والولادة وما بعدهما. وتلتزم الجهات المعنية بإجراء الفحوصات والتحليلات المخبرية اللازمة للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية والإعاقات، وتوفير المعينات الطبية اللازمة وتشجيع تصنيعها محليًا. كما يحظر القانون إجراء أي تجارب أو بحوث طبية أو دوائية على الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا يجوز القيام بأي تدخل طبي علاجي أو وقائي دون موافقتهم الحرة أو موافقة ولي أمرهم في الحالات غير الطارئة.
وفيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية، أتاح القانون إعفاءات جمركية وضريبية على المعينات التي تستوردها مراكز التأهيل والمراكز الإرشادية والجمعيات والمؤسسات الأهلية والتجهيزات المناسبة لممارسة أنشطتها، أو يجلبها الأشخاص ذوي الإعاقة لاستعمالهم الشخصي، وإعفاءات على المركبات المخصصة للاستخدام الشخصي للأشخاص ذوي الإعاقة وكذلك التي تستوردها الجهات العاملة في مجال الإعاقة. كما يشمل القانون الإعفاء من الرسوم المتعلقة بالدعاوى المرفوعة أمام المحاكم بمختلف أنواعها ودرجاتها للأشخاص ذوي الإعاقة أو ممثليهم القانونيين، إضافة إلى الإعفاءات المتعلقة بتراخيص إقامة المباني المخصصة حصريًا لخدمتهم، أو تعديل المباني القائمة لتسهيل استخدامها، وفتح النشاط التجاري المملوك لهم.
كما أولى القانون اهتمامًا خاصًا بمجال التوظيف والعمل، من خلال تخصيص نسبة (5%) من الوظائف في القطاعين الحكومي والخاص للمؤسسات التي تضم أربعين موظفًا فأكثر، إضافة إلى تخفيض ساعات العمل ساعتين يوميًا مدفوعة الأجر للموظف أو العامل من ذوي الإعاقة أو الموظف أو العامل من غير ذوي الإعاقة ممن يرعى أو توكل إليه رعاية أحد الوالدين أو ولد أو زوج من ذوي الإعاقة المتوسطة أو الشديدة.
ويضمن القانون للأشخاص ذوي الإعاقة عددًا من الحقوق الاجتماعية والأسرية، حيث يتمتع الشخص ذوي الإعاقة بالحق في إبرام عقد الزواج بموافقته الكاملة وبالمساواة مع الآخرين في تكوين أسرة. كما يمنع القانون فصل الطفل عن أي من والديه لكونه، أو لكون أحد والديه شخصًا ذا إعاقة. ويشمل الدعم المقدم من الجهات المعنية تقديم معونات شهرية للأشخاص ذوي الإعاقة غير القادرين على العمل، وإعطاؤهم أولوية في الحصول على الأراضي والمساعدات السكنية. كما تتولى الجهات المعنية وضع الضوابط والاشتراطات اللازمة لبناء وحدات سكنية مناسبة لهم، وتوفير التجهيزات اللازمة داخل هذه المساكن لضمان تمتعهم بحياة كريمة ومستقلة.
كما يتضمن القانون إنشاء اللجنة الوطنية للأشخاص ذوي الإعاقة برئاسة وزير التنمية الاجتماعية، تُعنى بوضع الخطط العامة والاستراتيجيات الوطنية ذات الصلة.
وحول ذلك قال حمود بن مرداد الشبيبي ، المتحدث الرسمي باسم وزارة التنمية الاجتماعية:” يأتي صدور قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تجسيدًا للاهتمام السامي الذي يوليه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- بهؤلاء الأشخاص من أبناء الوطن، وترسيخًا بأهمية إيجاد منظومة قانونية متكاملة تكفل حقوق جميع أفراد المجتمع، وتدعم الجهود الرامية إلى تطوير مستوى الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة والارتقاء بها.
ونؤكد أن هذا القانون يمثل إضافة نوعية في المنظومة التشريعية الوطنية، بما يواكب الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ويضمن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف المجالات المدنية والتعليمية والصحية والاجتماعية والثقافية والرياضية والاقتصادية، فضلًا عن تمكينهم من حقهم في التأهيل والعمل والمشاركة الإيجابية في مسيرة التنمية”.
مضيفاً إلى ذلك: “يشكل القانون إطارًا مرجعيًا تنطلق منه مختلف مؤسسات الدولة لتعزيز جودة الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة وضمان استدامة الجهود الهادفة إلى تهيئة بيئة شاملة ودامجة ومحفّزة تكفل تكافؤ الفرص لهم، وتُعزز مشاركتهم الفاعلة والكاملة في بناء وطنهم والإسهام في تقدمه وازدهاره




