لماذا يتقدم غير المسلمين، ونتأخر نحن؟ قراءة في سنن الله في الكون
حين نُسيء فهم النصر، ونفصل بين الإيمان والعمل، نُحمّل الدين ما ليس فيه، بينما الحقيقة أن سنن الله لا تُحابي أحدًا؛ فمن أخذ بها تقدّم، ومن أهملها تأخر مهما كان انتماؤه.
بقلم / علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
ماذا لو كانت المشكلة ليست في “تفوق غيرنا”، بل في فهمنا نحن؟
وماذا لو كان السؤال الذي نردده منذ سنوات: لماذا يتقدمون ونتأخر؟
ليس إلا مرآةً تعكس خللًا أعمق، خللًا في طريقة تفكيرنا قبل واقعنا؟
نحن لا نخسر لأن غيرنا أقوى فقط، بل لأننا – في كثير من الأحيان – لا نلتزم بالقوانين التي أرادها الله لهذا الكون.
إن أول ما ينبغي أن نقرره بصدقٍ لا مجاملة فيه: أن الله سبحانه هو مالك هذا الكون ومدبّره، وقد أجرى شؤونه وفق سننٍ ثابتة لا تتبدل، قال تعالى:
﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
فالحياة لا تُدار بالأماني، بل بالقوانين، ومن أهمها: أن النتائج تُمنح لمن يُحسن الأخذ بالأسباب.
نحن نحمل دينًا يدعو إلى الإتقان، ويأمر بالعلم، ويُعلي قيمة العمل، قال تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾
﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾
لكننا – في كثيرٍ من صور واقعنا – لا نعكس هذه القيم في سلوكنا اليومي، ولا في مؤسساتنا، ولا في أولوياتنا.
بينما نجد غيرنا قد أخذ بهذه السنن، فكانت النتيجة طبيعية، كما قال تعالى:
﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾
إنها لحظة صدقٍ مع النفس: المشكلة لم تكن يومًا في “ما نؤمن به”، بل في كيف نعيش ما نؤمن به.
ومن منظورٍ نفسي، فإن تعليق أسباب التأخر على الخارج وحده يُريحنا مؤقتًا، لكنه يُعطّل قدرتنا على التغيير، بينما يوجّهنا القرآن إلى المسؤولية الذاتية:
﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾
إن التربية الواعية لا تُخرّج أفرادًا يكتفون بالشعارات، بل تُنشئ إنسانًا يدرك أن الإيمان عمل، وأن الجزاء مرتبط بالسعي، كما قال تعالى:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾
إن أخطر ما يمكن أن نزرعه في عقول الناشئة هو الربط بين “الهوية” و”النتيجة” دون المرور بـ”العمل”.
لقد شهد التاريخ أن هذه الأمة حين فهمت سنن الله، لم تكتفِ بالإيمان بها، بل ترجمتها إلى واقعٍ حي؛ فأبدعت في العلم، وأقامت العدل، وقادت الحضارة.
وحين اختل هذا التوازن، تراجعنا، لا لأن الدين تغيّر، بل لأن التطبيق اختل.
ختامًا،لسنا متأخرين لأننا مسلمون، بل نتأخر حين نُخالف سنن الله التي أمرنا بها.
وغيرنا لا يتقدم لأنه أقرب إلى الله، بل لأنه تعامل مع قوانين الله في الكون بجديةٍ أكثر.
فإذا أردنا أن نُجيب عن أسئلة أبنائنا بصدق، فلا يكفي أن نُطمئنهم بالكلمات، بل يجب أن نُريهم الطريق:
علمٌ يُبنى، ووعيٌ يُربّى، وعملٌ يُتقن، ونفسٌ تُحاسب ذاتها قبل أن تُحاسب غيرها.
حينها فقط، لن نسأل: لماذا يتقدم غيرنا؟
بل سنكون نحن جزءًا من الإجابة.


