الإسلام بدأ غريبا.. فهل عادت إليه غربته؟!
علي بن مبارك اليعربي
إن الحالة الاجتماعية والأخلاقية التي تعيشها شعوب الجزيرة العربية قبل البعثة النبوية في ظل غياب الوحي وانقطاع الرسالة منذ بعث الله عيسى (عليه السلام) إلى بني إسرائيل نبيا ورسولا، وقامت رسالته على توحيد الله، وإفراد الألوهية والربوبية له، ودعوة بني إسرائيل؛ حيث بشر عليه السلام برسول يأتي من بعده مصداقا لقوله جل وعلا: {إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}-[سورة الصف: آية 6]. ومنذ ذلك الحين والبعثة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم حقبة زمنية طويلة جدا بلغ مداها خمسمائة وسبعين سنة ظهرت تغييرات وتحريفات، حيث تعددت المعتقدات الدينية وابتعد الناس عن الوحدانية وحرفت الكتب السماوية وتفشت في المجتمع سلوكيات وأخلاقيات مجتمعية أبعدتهم عن وحدانية الله سبحانه وتعالى؛ فقد ظهرت الوثنية واليهودية والنصرانية ولم يتبقَ إلا القلة القليلة ممن أنار الله بصرهم وبصيرتهم وتشبثوا بشرائع الأنبياء والرسل والكتب السماوية التي أنزلت عليهم ليتخذوا (الحنيفية السمحة) دينا لهم، فقد كانوا موحدين؛ أمثال ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وحنظة بن صفوان، كما جاء في كتب السيرة النبوية؛ لهذا كان واضحا اختلاف المجتمعات في تلك الحقبة من الزمن، باختلاف معتقداتهم وعباداتهم؛ فمنهم من عبد الأصنام ومنهم من عبد النار والشمس والحيوانات وغيرها. يتقربون إليها وينحرون عندها جازمين بأنها هي تعطي، وتمنع، وتنفع وتضر .. لذلك عندما بعث الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمر بالدعوة إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأوثان استهجن الكثير منهم هذا الأمر ولم يصدقوه رغم إقرارهم بالقيمة الأخلاقية والقدرة العقلية والاتزان السلوكي للمصطفى عليه السلام، فتارة يصفونه بالسحر والجنون وتارة يدعون أنه كذاب.. وغير ذلك من التهم. استغربوا ما جاء به وأنكروا عليه ما أمر به؛ وهذا ما يسمى بالاستغراب الديني لأنه ينال من معتقداتهم التي نشأوا عليها ووجدوا عليها آباءهم من شعائر وعبادات محرفة وطقوس وقيم خاصة بهم! وهذا النوع من الاستغراب خطير جدا) فهو هويّة الأمة ومصدر إلهامها، حيث تنطبع عليه مظاهر حياة الفرد والمجتمع ويعطل مصالح أصحاب النفوذ في ذلك الوقت، فصدق محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم حين قال الرسول ﷺ: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء)- رواه مسلم وغيره.
وما نراه في يومنا هذا من نقص في الدين واختلال ميزان العدل والمساواة بين الأفراد والمجتمعات باختلاف الناس وميلهم عن الحق واتباع الهوى من العامة والخاصة؛ فقد ظهر جليا ابتعاد الناس عن الدين رويدا، وإذا أمعنا النظر بحال الأمة في حاضرنا لوجدنا ما يشيب له الولدان من انحلال سلوكي وأخلاقي؛ وذلك بسبب انحرافات في مفاهيم العقيدة الأساسية، بلغ حتى إلى انحرافات في الفهم عن الذات الإلهية أو ما يمس الرسالة والنبوة أو ما يتعلق بمفهومي القضاء والقدر؛ مما يؤدي إلى اهتزاز أركان الدين وضعفه في نفوس العامة والخاصة، ومما يجعلهم مشوشي العقيدة يسهل على الصهاينة المنحرفين والمتصهينين إخراجهم من الملة؛ لذلك نجد ترددا وانسحابا مخيفا من المسلم في الاستجابة لنداءات العقيدة مع إيمانه ومعرفته بحجم المسئولية عن الأعمال التي يقوم بها، حيث تباينت الأمور على المسلم وأصبح لا يميز بين الحلال والحرام وكثر التهاون بالكبائر وساد إهمال الفرائض.
لقد صدقت نبوءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في زمان يقل فيه الموحدون وتتأرجح فيها أركان الدين حين قال عليه أفضل الصلاة وازكى التسليم: (يأتي زمان على أمتي القابض على دينه كالقابض على جمرة من النار)- رواه الترمذي، حيث تكثر فيه المؤامرات على هذا الدين لفرض واقع جديد يتناسب مع المصالح الاقتصادية الأمريكية والأوربية والصهيونية، حيث إن اقتصادهم في كثير منه قائم على كل ما تنكره العقيدة الإسلامية ويحرم شرعا في ديننا الحنيف من الربا والمقامرة وشرب الخمور والتعاطي والاتجار بالبشر، فكل هذه الأعمال يحاربها ديننا الحنيف لأنها تمس كرامة الإنسان وتضعف تماسك المجتمع!
ولإضعاف العقيدة الإسلامية وإبعاد الناس عنها والتشكيك في قيمها في نفوس المسلمين نشروا كل براثن الجهل والتخلف وأسموه بمسميات تغري شباب المسلمين، وتدخلوا في المناهج التعليمية وحرفوا المباديء والقيم الأصيلة في المجتمعات المسلمة، وزرعوا الصراعات والفتن مستغلين ضعف الوازع الديني الذي أصاب الأمة بشكل عام إلا من رحم ربي، وكأن الزمن يعود بنا إلى ما قبل البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم؛ حيث الجهل بالدين وغربته عند أكثرهم مع ثقتنا بأن الرسالة المحمدية لن تنتهي أو تزول، وستنتصر يوما ما.. فالحق يعلو ولا يعلى عليه، حيث إن الغربة في عهد الإسلام صار بعدها انتشار وظهور وقوة للمسلمين، وانكسار تلاه انحسار لقوى الشر والطغيان بعد النصر على أعداء الله؛ لذلك فإن إيماننا بالله وتمسكنا بتعاليم ديننا الحنيف والصبر على البلاء وبعد الغربة الظاهرة على العيان سيكون بعدها بإذن الله انتشار، وصلاح، وقوة واتحاد بعون الله وتوفيقه، فلن يكون بعد الغربة إلا تحقيق النصر على الأعداء والاجتماع على الحق كما في الغربة الأولى. هذا وعد الله الذي وعد به عباده الصالحين والصابرين على البلاء في محكم كتابه العزيز حين قال جل وعلا: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}[غافر: 51]، وقوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}[المجادلة: 21]،
ولم يكن وعد الله بالنصر فقط؛ بل كان بالاستخلاف والتمكين في الأرض كما في قوله تعالى فقال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}* [النــور: 55]، ولا أظنه إلا قريب بإذن الله…
فإن كانت غربة الدين عادت إليه حسب واقع الحال؛ فإن نصر الله لعباده وتمكينه لدينه واقع لا محالة حسب موعود الله.



