ضرورة تحسين جودة المرافق العامة..من أجل استثمار ذكي واستدام مؤسسي ورضا المجتمع
الكاتبة والباحثة التربوية / سالمة بنت هلال الراسبية .. قسم التوعية والإرشاد الطلابي جنوب الشرقية.
تُعدّ المرافق العامة، وفي مقدمتها المرافق الصحية والمصليات في الطريق ومحطات الوقود والأسواق العامة، مرآةً حقيقيةً لمدى رقيّ المجتمع ووعيه الحضاري؛ فهي ليست مجرد مرافق خدمية عابرة، بل تمثل جانبًا أساسيًا من جودة الحياة، وتعكس صورة الدولة أمام زوارها وسياحها، كما تؤثر بصورة مباشرة في راحة المجتمع المحلي وثقته بالمكان العام. إن العناية بهذه المرافق ليست ترفًا إداريًا، بل مسؤولية وطنية واجتماعية ومؤسسية تتكامل فيها الجهود الرسمية والمجتمعية.
وقد جاء الإسلام ليغرس قيمة النظافة بوصفها سلوكًا إيمانيًا وحضاريًا أصيلًا؛ فالنظافة في المفهوم الإسلامي عبادة وسلوك يومي يعكس طهارة الظاهر والباطن. ومن هنا كان الاهتمام بنظافة المصليات وأماكن العبادة جزءًا من تعظيم الشعائر، كما أن المحافظة على نظافة المرافق الصحية العامة تندرج ضمن حفظ حقوق الناس وصيانة المصلحة العامة. هذا البعد الديني يمنح قضية العناية بالمرافق الصحية والمصليات عمقًا أخلاقيًا يتجاوز الجانب الإداري إلى مسؤولية حضارية شاملة
المرافق العامة في الطرق ومحطات الوقود والأسواق العامة، تواجه تحديات أكبر بسبب الاستخدام المكثف والمستمر من مختلف شرائح المجتمع، إلى جانب الغبار والتقلبات الجوية. لذلك تحتاج إلى صيانة دورية مستمرة، واعتماد أنظمة ذكية مثل أجهزة الاستشعار وتقنيات التعقيم الرقمي لضمان نظافة مستدامة ورضا المستخدمين. في المقابل، المرافق في المولات تتميز ببيئة أكثر تنظيمًا، إذ يتم التحكم في النظافة والإضاءة والتهوية بشكل مباشر، وتكون مجهزة بأحدث التقنيات الذكية. هذا الاختلاف يجعل تجربة الزوار في المولات أكثر راحة، ويزيد من رضا المستفيدين، ما ينعكس إيجابًا على إنفاقهم ويعزز القيمة الاقتصادية للمكان. وعلى الصعيد العالمي، تؤكد الإحصاءات أن جودة المرافق الصحية تمثل تحديًا مشتركًا بين الدول. فقد أظهر مسح دولي أجرته شركة (تورك)وشمل أكثر من 11,500 مشارك في 11 دولة، أن نحو 74٪ من المستخدمين يتوقعون مستوى مرتفعًا من النظافة، بينما يرى 20٪ فقط أن هذه التوقعات تتحقق فعليًا. وتعكس هذه الفجوة أهمية تطوير أنظمة إدارة وصيانة قائمة على مؤشرات قياس دقيقة وربطها برضا المستفيدين.
ومن أبرز النماذج الملهمة تجربة مشروع (ذا طوكيو توليت) في طوكيو، حيث أُعيد تصميم 17 مرفقًا صحيًا عامًا بمعايير جمالية وتقنية متقدمة، ما أدى إلى ارتفاع نسبة رضا المستخدمين من نحو 44٪ إلى قرابة 90٪، وانخفاض التقييمات السلبية من 30٪ إلى 3٪ فقط.
وفي سنغافورة اعتمدت الجهات المختصة برامج تقييم وتصنيف دوري للمرافق الصحية، وربطت الامتيازات والتحفيزات بمستوى الالتزام بالمعايير وجودة الخدمة.
أما في بالولايات المتحدة، فقد تم تركيب مرافق صحية عامة عالية التقنية مزودة بأكثر من 20 جهاز استشعار، وتعمل بالطاقة الشمسية، ومتاحة على مدار الساعة، ما عزز مستوى الخدمة في المناطق الحضرية. وتُظهر هذه النماذج أن توظيف التكنولوجيا – من أجهزة الاستشعار وأنظمة «إنترنت الأشياء (آي أو تي)» إلى التطبيقات الرقمية لتلقي البلاغات – أصبح عنصرًا أساسيًا في إدارة المرافق بكفاءة واستدامة.
إن ربط إدارة هذه المرافق بمؤشرات الأداء وقياس رضا المستفيد يسهم في رفع الأداء المؤسسي، كما أن العناية بالمرافق الصحية والمصليات تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني عبر تعزيز السياحة، وجذب الاستثمار، ورفع الإنتاجية، وتقليل التكاليف الصحية؛ ما يجعل هذه المرافق رافدًا اقتصاديًا مهمًا.
فالحكومة تبذل جهدها و تنفق الملايين على المشاريع الاستثمارية والسياحية، من تطوير الواجهات البحرية والأسواق والمنتجعات والمتنزهات، بهدف تنويع مصادر الدخل وتعزيز الجذب السياحي. غير أن نجاح هذه المشاريع لا يكتمل دون جهود أخرى من المحافظات بتنفيذ وتطوير مرافق عامة تليق بمستوى تلك الاستثمارات، لأن المرافق الصحية والمصليات جزء أساسي من التجربة الكاملة للمستفيدين والزوار
وعلى مستوى المجتمع المحلي، فإن وجود مرافق نظيفة ومنظمة يعزز ثقافة المسؤولية المشتركة، ويرسخ لدى الأجيال قيمة المحافظة على الممتلكات العامة. كما أن اعتماد رضا المستفيد كمؤشر أساسي في تقييم الأداء يعكس توجهًا إداريًا حديثًا يضع الإنسان في قلب العملية التنموية، وهذا ما نأمل إدراجه في تقييم الأداء المؤسسي للمحافظات..
ختامًا، إن الاهتمام بالمرافق الصحية والمصليات ليس مسألة شكلية، بل هو مؤشر حضاري يجمع بين القيم الإسلامية، والتنمية المستدامة، ورفع الأداء المؤسسي، ويؤثر بشكل مباشر في الاقتصاد الوطني. وعندما تُدار هذه المرافق وفق معايير تقنية حديثة، ويُقاس نجاحها بمدى رضا المستفيد؛ فإنها تتحول من خدمة اعتيادية إلى معيار حضاري واقتصادي يعكس كفاءة الإدارة وجودة الحياة، ويعزز أهمية المكنون الحضاري والرقي الأخلاقي في نظر أبنائه وزواره على حد سواء.



