تهنئة
السبت: 06 يونيو 2026م - العدد رقم 2938
الخواطر

ما بعد الخذلان ..

  يوسف بن سالم الحميدي

ليست كل الهزائم تُرى

فبعضها يحدث في الداخل

في مكانٍ لا تصله العيون

حين يسقط شيءٌ فيك بصمت

ولا يسمع ارتطامه أحد

نحن لا ننكسر دفعةً واحدة

بل نتآكل ببطء؛

كجدارٍ ظلّ واقفاً لسنوات

لا لأنّه بخير

بل لأنّ أحداً لم يلحظ الشقوق الصغيرة

التي كانت تزداد اتساع في كل يوم

مؤلمٌ أن تمنح أحدهم مفاتيح أكثرُ الأماكنِ هشاشةً فيك

لا لأنك ساذج

بل لأنك ظننت (لوهلة )

أن الطمأنينة يمكن أن تسكن إنسان

ثم تكتشف متأخراً

أن بعض البشر لا يعرفون ماذا يفعلون بالقلوب

فيتعاملون معها كما لو كانت أشياء قابلة للإستبدال

بينما أنت كنت تضع في أياديهم

أجزاء لا تتكرر منك

أقسى الخيبات ليست في أن يرحل أحد

فالرحيل سلوك بشري قديمٌ منذ الأزل

لكن القسوة الحقيقية

أن يبقى المرء طويلاً

وهو يغادر منك بالتدريج؛

يسحب دفئه،

اهتمامه،

صدقه،

ودهشته الأولى،

ويترك لك جسد العلاقة فارغ

لتحتضن غياباً على هيئة حضور

ومنذ ذلك الحين

يتغيّر شيءٌ جوهري في الإنسان

لا يعود كما كان

ليس لأن الحزن انتصر!

بل لأن المعرفة موجعة

نعرف أكثر مما ينبغي:

نعرف كيف تبدو الخيبة في بداياتها

كيف يتبدل صوت من كان يطمئننا

وكيف تصبح المسافات

أكبر من أن تُقاس بالكيلومترات

ومع ذلك…

نواصل الحياة

لا لأننا تعافينا تماماً

فهذه مبالغة رومانسية جميلة لكنها غير دقيقة

بل لأن الإنسان يتعلم مع الوقت

أن يحمل كسوره بطريقة أقل ضجيجاً

نحن لا ننسى ما هزّ أرواحنا

لكننا نتقن التعايش معه

كما يتعايش البحر مع عواصفه؛

يبقى واسعاً

رغم كل ما ابتلع

وفي النهاية،

لا يصبح المرء أكثر قسوة

كما يظن الآخرون

بل أكثر انتقائية في منح نفسه

فبعد أن ترى كيف يمكن ليدٍ واحدة

أن تعبث بفوضى عمرك كاملاً

تدرك أن الدخول إلى روحك

ليس حقاً عاماً للجميع

بل امتيازٌ نادر.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights