مقال « سعيد الغافري ما بين الرحيل والرقص على رؤوس الثعابين السوداء»

أحمد بن محمد السلماني
كم كانت فرحة الأهالي كبيرة بتحقيق حلم طال انتظاره يوم أن جاد الوطن(وما أكثر ما يجود به) لأبناءه بطريق الباطنة السريع، وما بين مشهد الفرحة بافتتاحه كواحد من أكبر المشاريع الحيوية والخدمية وبين قوافل الموت التي نزفها للحياة الآخرة بين الفينة والأخرى كالفارق بين النور والظلمات، البارحة فجعت الرستاق قاطبة بنبأ وفاة واحدا من أبناءها البررة وفلذة من فلذات كبدها عندما قضى نحبه في حادث سير أليم في حلقة من مسلسل بلا نهاية، وسنظل نرقص على رؤوس ثعابين الموت السوداء، اذ أن هفوة واحدة ولو سهوا تعني لسعة ورقصة الموت، مئات الملايين ضخت من أجله، وبأرقى ما وصلت اليه تصاميم الطرق الحديثة، ريشة الفنان التي رسمته كانت غاية في الإتقان والإجادة، رسمته وجها فضفاضا مشرقا باسما وبعيون جميلة فضية براقة ولكنها لا تبصر ليلا، طريق بلا إنارة.
كان بيننا ورحل، الخبر كان صاعقا لأن المصاب جلل، والفقد عظيم، مسلسل نزيف الشوارع مستمر وكل ذلك من شرايين الوطن، فكيف به إن كان من صفوة وخيرة شبابه، لم يرضى يوما أن يكون على الهامش، هو في قلب دورة عمل الرستاق، لا يهدأ أبدا، يتحرك في كل مكان طالما أن ذلك يخدم بلاده ووطنه وطموحاته اللا محدودة، المدهش أنك لا تحس به عندما يتحرك، فهو لا يحب أن يجرح أو يؤذي أو يزعج أحدا، هذه هي المرة الوحيدة التي كان فيها قاسيا جدا بعد أن رحل وترك جرحا سيندمل حتما، الزمان والحياة كفيلان به .
ضمتنا المدرسة والملعب، ودافعنا عن ألوان فريق الحزم الصفراء، ولأنه يعشق الأصفر فإن أول سيارة يقتنيها كانت«السوزوكي الصفراء»، حدث ذلك قبل 28 عاما، عاشر من تعاشر، لا بد من الفراق، لقمة العيش فرضت على كثيرين مغادرة الرستاق، هو لم يغادرها يوما إلا مكرها، عشقها فعشقته، شبابه كله كان فيها ولها ولأهلها، كان المعلم والموجه والرياضي والإداري الفذ، متقد الأداء وشعلة من النشاط، كل هذه المواهب توجها بالخصال الحميدة والأخلاق الفاضلة وسمو المنزلة، الإبتسام لا يفارق محياه، فلتهنأ في مرقدك بعد أن ضجت البلاد والفضاء السيبراني بالدعاء أن يتغمدك المولى جل في علاه بواسع رحمته ويسكنك فسيح جناته،اللهم آمين .
لقد غادرتنا جسدا إلا أن روحك تملأ المكان، البيت، الوسط التربوي، النادي الذي كان منك وإليك، لذا فكلما تراءى لنا أي منها فسنتذكرك بالدعاء،فيصل وإخوته هم العزاء لنا جميعا، الأمل فيهم كبير لإكمال المسير، ووحده سبحانه وتعالى كفيل بأن يلهمنا وأهلك المكلومين وذويك جميعا الصبر والسلوان على فراقك،فقد آلمتهم كثيرا، وإنا لله وإنا إليه راجعون(جعل الله مثواك فردوسه الأعلى من الجنة).
كتبها تبث ألما وأملا..



