الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

أمواتٌ غيرُ أحياء ..

    صالح بن ناصر المحروقي

تصلني بين وقت وآخر دعوات لحضور ندوات تُقام تكريماً لعلماء وأدباء راحلين، فأجدُ نفسي كل مرة أتوقف أمام السؤال نفسه، لماذا لا يستيقظ فينا الشعور بقيمة العظماء إلا بعد أن يغيبوا عن أعيننا، وكأنّ حضور الإنسان لا يُرى إلا إذا غاب، ولا تُدرك منزلته إلا حين يخلو المكان من خطاه!

تأملتُ هذا المشهد، فوجدت أنّ كثيرين منا يتردّدون في الإشادة بصاحب العطاء ما دام يمشي بينهم، ويتثاقلون عن الاعتراف بفضله وهو قادر على السماع، ثم إذا مضى في طريق الرحيل تبدّل حالهم، فارتفعت الأصوات التي كانت خافتة، وتدفقت الكلمات التي كانت محبوسة، وانفتحت أبواب المدائح التي أُغلقت عنه في أيامه.

وقد أصبح من عجيب ما نرى أن يُهمل المجتمع علَماً لامعاً يعيش بينهم، فلا يجد لصوته صدىً، ولا لموهبته موقعاً، ويُقدَّم عليه آخرون بثقل النفوذ أو سطوة المظاهر، حتى تنزوي القامات الحقيقية في زحام لا يمنحها ما تستحق من تقدير.

ويمضي المبدع في حياته بين قومه غريباً عن قدره، يقدّم ما يستطيع، ويتحايل على صمّ الآذان بما يبقى له من صبر، حتى إذا انقطعت أنفاسه تغيّر المشهد كله، فتراهم يشكون فقده، ويتسابقون إلى إحياء ذكراه، ويتساءلون بحسرة عن مكانته التي لم ينتبهوا إليها إلا بعد أن أضاعوها.

وهذا التبدّل يكشف مقدار ما نهمله من كنوز بشرية كان يمكن أن تصنع مساراً آخر لهذه الأمة، فالعظيم الذي يُدفع إلى الظلّ في حياته لا يعود نفعه إذا سِيق إلى الضوء بعد موته، والفرصة التي تُهمل في زمنها لا تستعاد بمراثٍ ولا تأبينات.

ولو عرف الناس قيمة من يعيش بينهم من أصحاب الكفاءة، ولو بسطوا لهم ما يستحقون من تقدير، لظهر أثر ذلك في المجتمع، وازدادت حيويّة أجياله بما يقوّم مسارها ويرفع وعيها.

وأحسب أنّ الأمم التي تقدّمت علينا لم تفعل ذلك لأنها أكثر عبقرية، وإنما لأنها تُحسن معاملة أصحاب العقول، وتوفر لهم بيئة محفزة، وتمنحهم المكانة التي تليق بمواهبهم وهم في ذروة العطاء والإنتاج.

ولقد صدق أحمد زويل حين قال: “الغرب ليسوا عباقرة، ونحن لسنا أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل.”

ولست أعني بكلامي هذا أنّ إحياء ذكرى الراحلين فعلٌ لا قيمة له، بل هو وفاء محمود، غير أنّ الرعاية التي يستحقها أصحاب المواهب في حياتهم هي أولى بالعناية، لأنّ أثرها أوسع، وثمارها أبقى، والناس لا ينهضون بالمراثي بقدر ما ينهضون بالعقول التي لم يزل فيها حياة.

وما حولنا من المواهب المهدرة كافٍ لندرك حجم الفرصة التي نفوّتها، فما أكثر الذين كان يمكن أن يكونوا قادة للفكر أو الريادة، لولا أنهم تُركوا على هامش الحياة بلا احتضان ولا ثقة، وبلا يد تمتدّ لتعترف بهم قبل أن ينطفئ نورهم.

فإلى متى سيبقى هذا الجرح نازفاً في عقول أمتنا، وإلى متى سنظل نبجل الموتى ونخاصم الأحياء؟!

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights