رؤية نقدية تحليلية في رواية (أسرار من بوابة القادمين إلى صلالة) للكاتب والروائي / حمدان بن هاشل بن علي العدوي
يعقوب بن راشد السعدي
لقد شمّر الراوي في هذه الرواية عن معصم فكرة، ليغوص في أغوار ذاكرته ويبدأ في الانطلاق من خلال تلك المشاهد التي يعيشها في حاضره، والتي كانت بمثابة الناقوس الفكري الذي أجّج في داخله الكثير من الذكريات والمشاعر التي ربطته بالماضي الجميل والأليم في آنٍ واحد.
من خلال استحضار عصارة الذكريات وربطها بالحاضر المُعاش، تناول فيها البُعد الزمني بين أعوام مضت من مرحلته العمرية الشبابية التي قضاها في الترحال بين الشمال والجنوب، والمرحلة الحالية من حياته التي يعيشها وقد بلغ من العمر ما يجعله ينظر لما حوله بعين من الصبر والهدوء والتحليل والحكمة، ليسرد تلك الوقائع من ماضيه وحاضره بتفاصيل دقيقة تجعلنا نبحر معه في فكره الواسع من تلك الزاوية الضيقة، التي ينظر منها من بؤبؤ عينيه إلى رحابة المساحات في صالة القادمين، وضيق ممراتها أحياناً أخرى.
حين تقرأ رواية (أسرار من بوابة القادمين إلى صلالة) فأنت تسمح لنفسك بأن تبحر مع الراوي وفق رؤيته لما يشاهده حوله من أحداث تتولد تباعاً وفق تحليله هو وقناعاته هو أيضاً، دون أن يكون لك رأيٌ آخر تستطيع أن تُحدثه على مسار الرواية، وما يطرق رأسه من أحداث دفنها في خلده عبر السنين الماضية من حياته، ولن تستطيع أن تقرأ كل هذا وذاك إلا إذا تمكنت من قراءة ما بين السطور. وكل هذا وذاك جاء حين استفزه مجموعة من الأطفال على متن الطائرة المُقلعة من مطار مسقط إلى مطار صلالة عبر الطيران العُماني، عندما جعلوا من الهدوء عاصفة صاخبة هزّت جنبات الطائرة ومزقت أذن كل مسافر عليها.
وكأنك أصبحت وأمسيت طينةً يشكّلها الراوي ويوظفها كيف يشاء ومتى شاء، فيجبرك على تتبع تلك المعلومات الهائلة من أدق تفاصيل الحكاية، وكأنك تُشاهد فيلماً سينمائياً يسرد لك أدق التفاصيل في الصورة والمعنى والأحاسيس المتفاوتة، ومن عدة زوايا إنسانية ليُبروز لك عن قرب تلك الانفعالات والتعابير التي ارتسمت على أوجه المسافرين، كما يوصل لك المشاعر التي يختزلها الناس من حوله في رحلته إلى صلالة، ولقائه بالعديد من الشخصيات التي صادقها من خلال نظرته لها وقراءته لسكونها، وهمسها، وحركتها، وضجيجها.
أرى بأن الراوي حمدان العدوي كان هو العرّاف الذي كان في نفس الوقت مستبصراً، يقرأ فنجان كل مسافر على متن الطائرة، أو في صالة القادمين، أو خارجها، أو حتى في ربوع صلالة وضواحيها. كان يُشخص كل مرئٍ بعينين دقيقتين، ويقرأ الملامح وتساؤل الأعين، وكأنه يبحر في عمق كل شخصية على حدة، ليستخرج منها مكنون استنباطه لما هي عليه من حالة نفسية أو وجدانية، حتى أظنه كان يُفصل الحالة المادية من خلال ما كانت تلك الشخصيات ترتديه من لباس، أو من خلال طريقة تعاملها مع من حولها، وكأنه مزج في شخصيته كراوي بين التبصر والدكترة النفسية. وأغلب الظن أنه كان يُسقط كل تلك الأحداث والشخصيات على حياته، فكل شخصية كانت تمثل جزءاً منه.
فعيناه التي لا تهدأ أبداً في النظر إلى من حولها من تفاصيل دقيقة، تُحلل الشخصيات والأماكن بمنظوره الخاص واجتهاده الفردي الذي جاء نتيجة تراكم خبراته الأدبية والإنسانية عبر السنين المنصرمة من عمره. ولربما وضعه الحالي الذي جعله حبيس عكازه ومحدودية مساحته في التنقل، هو عالمه الرحب في الإبحار بأشرعته التي يهبّ هواءها حسب إرادته التي أراد لها أن تكون، ليسرد لنا ماضيه وحاضره بفلسفة غريبة لم أجدها في كتابات الكثير من الروائيين.
يُذكرني الراوي بشخصية اقتربت منها في فترة زمنية من مسيرة حياتي الفنية، نعم يُذكرني بالفنان والمؤلف صالح شويرد، كان يُمعن النظر لأدق التفاصيل التي تدور حوله في المجتمع، ثم يُفاجئك بعملٍ درامي من تأليفه. هكذا كان – رحمه الله – كثير الصمت وقليل الكلام، ويسجل كل شيء عبر عينيه اللتين لا تهدآن، لكن حمدان العدوي خالفه قليلاً في تصوير الحاضر بإسقاطه على الماضي برؤية فريدة من نوعها.
قيوده الجسدية كبّلته عن الحركة، مما جعله يلجأ إلى مساحة أوسع من تلك التي عليه الآن، وهي السفر من خلال فكره ومنظوره في قراءة أبعاد الأماكن والشخصيات التي تُحيط به، ليسافر بها إلى آفاق أرحب وأوسع من المكان الذي يسكنه ويستوطنه في واقع حياته. الأمر الذي جعله يُخِط لنا هذه الرواية التي أبدع في تقديمها بأدق تفاصيل الحكاية الواقعية التي عاشها خلال رحلته من الشمال إلى الجنوب، ويفبركها في قالب من الإبداع المتفرد.
لقد آثر حمدان العدوي أن يُوثق تلك الأماكن عبر الشخصيات التي وجدها بشكل طبيعي في المكان والزمان نفسه، دون أن يلجأ إلى خلق شخصيات خيالية ليُكمل رحلته معها في الرواية. فكانت تلك الشخصيات محور صنع الأحداث، ليربطها بالوقائع بشكل متقن خرجت فيه الرواية سلسة، وشكّل عجينتها بالشكل الذي كان يخطط له في كتابته لها.
وأرى – من وجهة نظري كمحلل لهذا العمل الأدبي الجميل – بأنه عمل توثيقي يندرج تحت مسمى (أدب الرحلات والسفر والسياحة). طرح فيه حمدان العدوي الكثير من المعالم والأماكن في عمان، بين الشمال والجنوب. الأمر الذي أراه توثيقاً وحفظاً لهوية المكان، وترويجاً للسياحة من خلال عيون حمدان العدوي، الذي جعل كل هذا الزخم من التفاصيل ينبع من الذكريات التي عايشها في الجنوب واشتاق لها كثيراً، فمزج بين سفر الخيال في الإسقاط الأدبي إلى واقع الوجود ومكمن الحدث، واستحضار المضمون وكينونة المكان والزمان، رغم اختلاف الأحداث بين ماضٍ رحل ويوماً معاش.
فكان بمثابة سفير بين شمال وجنوب عمان، بواقع عمله السابق في القوات المسلحة، الذي فرض عليه ذلك. فتمخّضت عن تلك الذكريات وهذا الواقع تلك الرواية الجميلة التي تحفظ تاريخاً وهوية وطن، كما ربط دولاً وحضارات أخرى بسلطنة عمان من خلال مشاهداته للأوجه والملبس الدال على ذلك. فتحسه أحياناً وكأنه يبكي بحرقة مشتاق، وفقد حرمان لطفلٍ لم يشهد الحب، فعاش وحيداً كاليتيم المُعفر. تتخيله وأنت تفكك طلاسم الرواية بأنه يتنهّد أحياناً وينشج أحياناً أخرى، وينتحب بين هذه وتلك على ما مضى وضاع من تلك الأيام والليالي. فكان لفراق الصاحب والأخ وقعاً أصبح في قلبه الوسم الندي الذي ما زال ينزف حتى الآن.
فتأتي الرواية مشحونة بذلك الضياع والتيهان في آنٍ واحد، وأحياناً أخرى وكأنه يقول في ذاته: “هذا من واجبي أن أحفظ لوطني بعده الإنساني والتاريخي والحضاري، وأن أترك للأجيال القادمة شيئاً من الحنين إلى ماضٍ عشته وحاضر أعيشه مع أجيالٍ أخرى، سوف نُسلّمهم رايتها ممزوجة بثلاثة أجيالٍ عشتها في حكم ثلاثة سلاطين، تغيّر في وجه عمان وجوهرها الكثير والكثير.” نعم، إنه يتلاعب بالإسقاط تلاعب الأديب الناضج، الذي يستطيع أن يُوظف الكلمة ويُخضع المعنى بحرفيةٍ متقنة لا يملكها الكثير.
لقد تعلّق الراوي في هذه الرواية بعشق طفلٍ، كان – حسب ما يسرد عنه – يأخذ في محيّاه شكلاً عربياً عمانياً جميلاً. لكن ما كان يُحيّر راوينا هو أن ذلك الطفل كان بصحبة امرأة أوروبية شقراء، ولم أتوصّل من خلال قراءتي للرواية إلى سبب هذا التعلّق بذلك الطفل الذي شغل الراوي كثيراً، بل أكثر مما كان ينبغي عليه ذلك.
وأرى – من وجهة نظري – وأتمنى أن أكون مصيباً، بأن هذا الطفل قد لمس في الراوي شيئاً من ذاكرة الطفولة؛ فكان لحضور وجهه في عيون الراوي بُعدٌ آخر في سياق حياته التي عاشها في كنَف والديه، أو ربما رأى هذه الصورة تتجلّى أمامه بعد أن فقدها بصَره لسنين طويلة، فاسترجعتها ذاكرته المختزلة. وبأن تلك المرأة الأوروبية ما هي إلا شريط حياته الذي مرّ به قبل هذا وما زال يمرّ به اليوم.
وربما رأى الراوي في هذا الطفل ملامح طفولته، أو طفولة أقرانه الذين تركوا في حياته السابقة أثراً واضحاً؛ ذكرى جميلة أو ندوباً من الألم الذي ظلّ حبيساً في ذاكرته. لم يغب الطفل عن مخيلته رغم مغادرته لصالة القادمين إلى صلالة، بل سكنها واستوطنها، حتى ظننتُ – وأنا أحلل الرواية – أن هذا الطفل هو الراوي نفسه، وأنه ليس شخصية حقيقية رآها أمامه، مثلها مثل غيرها.
وأعتقد بأن طيفه هو من صنع تلك الشخصية في هذا المكان، وكأنه يرى ويخاطب نفسه. فكان يطرق باب استرجاع تلك المشاهد في بوابة القادمين وصالتها، ليسترجع مشاهد ذاك الطفل ويتمنى أن يلتقي به أو يراه مرة أخرى، وكأنه اشتاق كثيراً لطفولته أو تمنّى أن يرجع طفلاً دون ألم ودون مسؤولية. وهنا يشير الراوي – من خلال فهمي البسيط وتحليلي المتواضع – وكأنه كان حبيس نفسه في ذاك الطفل الذي ولده عقله الباطني.
أظن أن حمدان بن هاشل بن علي العدوي لم يكتب هذه الرواية للتوثيق فقط، بل إن ما عاشه في صلالة من أحداث جميلة ومؤلمة – والتي ذكرها في روايته الأولى (ولادة في كنف الملائكة) – هو الخيط الرفيع من الذكرى المؤلمة التي وقعت له في الحادث، والتي تربطه بصلالة. كأنه خرج من رحم أم عانت من شدة زفره، ليخرج من مستقر الألم إلى ولادة جديدة، لكنها كانت معسّرة، نتج عنها طفل شبه مشلول.
ليستحضر تلك المشاهد التي ظلّت حبيسةً في داخله، رغم محاولته نسيانها ومحوها من ذاكرته. إنها المعاناة التي سوف يعانيها في حال مروره بمكان الحادث، حين يتنقّل بين ربوع صلالة وضواحيها.
الخلاصة:
مهما طال بنا العمر، سوف نظلّ حبيسي الذاكرة والألم…
ما يسعدنا فقط، أننا كنّا يوماً أطفالاً.



