الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

حين تصبح الحقيبة رسالة: تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة بالفعل لا بالشعارات

حمدان بن هاشل العدوي
عضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء

في مشهد عابر من زيارة رسمية للولايات المتحدة، ظهرت السيدة (هو تشينغ)، زوجة رئيس وزراء سنغافورة، وهي تحمل حقيبة يد زرقاء بسيطة، لا تحمل توقيع دار أزياء عالمية، ولا تنتمي إلى عالم الماركات الفاخرة. حقيبة بدت عادية في نظر البعض، لكنها سرعان ما تحولت إلى قصة عالمية، ليس بسبب شكلها، بل بسبب ما تمثّله.

الحقيبة صُنعت يدويًا على يد شاب في التاسعة عشرة من عمره، من الأشخاص ذوي اضطراب التوحد، وهو طالب في مدرسة سنغافورية متخصصة تُعنى بتعليم وتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة. المدرسة لا تكتفي بالتعليم النظري، بل تعمل على تحويل مهارات طلابها إلى منتجات حقيقية تُعرض للبيع، لتكون مصدر دخل وفرصة اندماج فعلي في المجتمع.

اشترت (السيدة هو) الحقيبة بمبلغ زهيد، لكنها حين سُئلت عنها، قالت إن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بالسعر، بل بالجهد والوقت والقدرة التي بذلها ذلك الشاب لصناعتها. بعد انتشار القصة، ارتفع الطلب على هذه الحقيبة، وتحولت من منتج راكد إلى فرصة اقتصادية، ومن عمل بسيط إلى رسالة عالمية.
وهنا، لا تعود القصة عن حقيبة، بل عن فلسفة تمكين.
إن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة لا يتحقق عبر المؤتمرات وحدها، ولا عبر ورش العمل العابرة، ولا عبر الخطابات الجميلة التي تنتهي بانتهاء المناسبة. هذه الأدوات قد تكون ضرورية، لكنها تظل وسائل، لا غاية.
التمكين الحقيقي يبدأ حين ننتقل من الحديث عن الأشخاص ذوي الإعاقة إلى إشراكهم فعليًا في الحياة اليومية:
حين نفتح لهم السوق، لا المنصة فقط.
حين ندمجهم في الاقتصاد، لا في التقارير.
حين نخلق لهم طلبًا حقيقيًا، لا تعاطفًا مؤقتًا.
إن الأشخاص ذوي الإعاقة لا يحتاجون إلى شفقة، بل إلى فرص.
لا يحتاجون إلى تصفيق، بل إلى سياسات.
لا يحتاجون إلى حملات موسمية، بل إلى منظومة مستدامة تضمن لهم الحضور الكريم في العمل، والإنتاج، والقرار.
التمكين الفعلي يعني:
إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في سلاسل الإنتاج.
فتح الأسواق أمام منتجاتهم وخدماتهم.
توفير فرص عمل حقيقية قائمة على الكفاءة.
دعم المشاريع الصغيرة التي يقودها أو يشارك فيها أشخاص ذوو إعاقة.
الانتقال من الدعم الخيري إلى الاستثمار الاجتماعي.
هذه الحقيبة الصغيرة فعلت ما لم تفعله عشرات المؤتمرات، لأنها جسّدت التمكين في أبسط صوره:
منتج حقيقي، دخل حقيقي، كرامة حقيقية.
وإلى صنّاع القرار نقول بوضوح:
إن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة لا يُقاس بعدد الفعاليات، بل بمدى حضورهم في الاقتصاد والمجتمع.
لا يُقاس بحجم الخطاب، بل بعمق الأثر.
ولا يُقاس بالنوايا الحسنة، بل بالسياسات القابلة للتنفيذ.
اجعلوا التمكين ممارسة لا شعارًا.
اجعلوه سياسة لا مناسبة.
اجعلوه حقًا لا منّة.
حينها فقط، تصبح القيم التي نرفعها واقعًا يُعاش،
وتتحول الرسائل الإنسانية من كلمات إلى حياة كريمة.
فالتمكين لا يُعلن، بل يُبنى.
ولا يُكتب، بل يُمارَس.
ولا يُصفّق له، بل يُثمر.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights