الأربعاء: 22 أبريل 2026م - العدد رقم 2893
مقالات صحفية

طلبة عُمان في العالم… سفراء القيم وحملة الحضارة

سامح الشكيلي

في كل عام، تشق الطائرات عباب السماء، حاملة أغلى الأبناء، يمضون في دروب العلم اغترابا واختيارا، استعدادا للإعمار والبناء، مستلهمين من نهج الوطن وقيمه العليا معنى العطاء والفداء. يتركون خلفهم أحبة وأوطانا، ويقدمون من أعمارهم وأوقاتهم أثمن ما يملكون، سعيا لبلوغ الغاية واعتلاء مراتب المجد.
هؤلاء الطلبة لا يحملون حقائبهم فحسب، بل يحملون الوطن في قلوبهم وعلى أكتافهم، يستحضرون فرحته في كل إنجاز، ويجعلون من نجاحهم رسالة لأهلهم وإخوانهم وآبائهم. ورغم قسوة البعد، فإن عظمة الهدف تهون المشقة، وتمنحهم القدرة على تجاوز التحديات، متمسكين بالأمل، متسلحين بالتفاؤل.
إنهم طلبة العلم الذين يزحزحون العقبات بإرادة منحهم الله إياها، يسيرون بثبات نحو أهدافهم، لا يلتفتون إلى صغائر الأمور، ولا ينشغلون بما يعيق مسيرتهم. غير أنهم، في نهاية المطاف، بشر تحكمهم فطرة إنسانية وطاقة محدودة، وقد تعترض طريقهم مغريات أو تحديات تحاول أن تثنيهم عن مسارهم. ومن هنا، تتعاظم أهمية ترسيخ القيم والثوابت بوصفها الحصن الذي يحفظ الهوية، ويصون صورة الوطن الذي يعلق آماله على أبنائه.
ورغم الجهود المتواصلة التي تبذلها الجهات المعنية بشؤون الطلبة في تيسير إجراءاتهم الأكاديمية، والرد على استفساراتهم، والعمل على تذليل ما يعترض مسيرتهم من تحديات، فإن مقتضيات الانتماء الوطني تتجاوز حدود الخدمات الإدارية إلى أفق أوسع. فالقيم والمبادئ التي يقوم عليها الوطن تستدعي مبادرات نوعية تترجم في صورة أنشطة وبرامج وفعاليات تحمل رسالة حضارية إلى المجتمعات المضيفة، تعرف بسلطنة عُمان: إنسانا، وتاريخا، وثقافة، ومنجزا.
ولا ينبغي أن تقتصر هذه الرسالة على قاعات الاحتفاء بالمناسبات الوطنية، بل تمتد حيثما وجد الطالب العماني، فتكون حاضرة في الجامعات، والمراكز الثقافية، والفضاءات العامة، بما يجعلها تجربة معيشة لا مناسبة عابرة. إنها رسالة تتغلغل في وجدان الطلبة المغتربين، فتعمق ارتباطهم بقيمهم الأصيلة، وتمنحهم وعيا بدورهم كسفراء لوطنهم في كل مكان.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تبني مشروع وطني متكامل، يقوم على تنظيم فعاليات كبرى ذات طابع ثقافي وحضاري في مختلف الدول التي تحتضن الطلبة العمانيين، لتكون منصة عالمية متنقلة تعرف بالحضارة العمانية وتاريخها وثقافتها. فانتشار هذه الفعاليات في أكثر من دولة يوسع دائرة التأثير، ويمنح الرسالة الوطنية بعدا عالميا، ويسهم في تصحيح المفاهيم وتعزيز الصورة الذهنية الإيجابية عن السلطنة لدى شعوب متعددة.
كما يتيح هذا التوجه فرصة استثمار وجود الطلبة أنفسهم بوصفهم سفراء لوطنهم، ينقلون قيمه وسلوكياته بصورة حية تعكس أصالته وانفتاحه. ولا تقتصر جدوى هذه المبادرات على الجانب التعريفي فحسب، بل تمتد إلى تحقيق كفاءة أكبر في الجهود الترويجية، عبر توحيد الرؤية وتنسيق المبادرات، بدل تشتتها في فعاليات متفرقة محدودة الأثر.
إن الفعاليات الكبرى، حين تصمم بعناية وتقدم بمحتوى نوعي، لا تكتفي بنقل صورة، بل تخلق تجربة حية يرويها الحاضرون بأنفسهم، فتنتقل الرسالة بصدق وتأثير. ويزداد هذا الأثر حين يشارك الطلبة العمانيون في تنظيمها وتقديمها، إذ يحملون انتماء حقيقيا لوطنهم، ويحرصون على إظهار صورته بأفضل ما يكون، بما يعكس اعتزازهم به ورغبتهم في تميزه بين الأمم.
وهكذا، يتحول طلبة عُمان في العالم إلى جسور حية تنقل حضارتها وتاريخها وثقافتها إلى مختلف الشعوب، لا بالكلمات وحدها، بل بالسلوك والمعرفة والإنجاز، فيغدون رسل علم يحملون في عقولهم تخصصاتهم، وفي قلوبهم وطنا، وفي أفعالهم صورة مشرقة لسلطنة عُمان حيثما حلوا.
فليس كل من خرج من وطنه طالبا عاد أستاذا… ولكن من حمل وطنه في دمه، عاد به وطنا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights