الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

نزوات إعلامية

إسماعيل بن مسعود الراشدي

مزعجٌ حقًّا ما رأيناه من تهافتٍ إعلاميٍّ غير مسبوق على قضية جزيرة أبيستن، والأدهى من ذلك التكثيف الإعلامي الذي تناول أدقّ التفاصيل، مما شغل شريحةً واسعةً من الناس بمتابعته عن كثب، وكأن العالم لم يعد يملك قضيةً أولى بالاهتمام.

وفي رأيي، فإن مثل هذه الأخبار — مهما بلغت أهميتها في المنظور الغربي — تبقى غريبةً عن أولويات ثقافتنا الإسلامية وقيمها، بل أقرب إلى مادةٍ مثيرةٍ للفضول منها إلى خبرٍ نافع. فالمسلم لا يتتبّع عورات الآخرين ليفضحها، ولا ليستفيد منها كدرعٍ واقٍ للمستقبل.

أما السياسة فشأنٌ آخر؛ فهي — بشهادة الجميع — لعبةٌ قذرة، تختلط فيها المصالح بالأخلاق، وقد يصل الأمر إلى أن تُشترى ضمائر، وتُختلق قصص، أو تُسرَّب معلومات لإثارة الناس؛ فبمعلومةٍ سرية أو فضيحةٍ مندثرة يمكن ليّ ذراع نظامٍ كامل، أو إسقاط رموز ورفع أخرى.

ولعل الأخطر من الخبر نفسه هو توجيه التركيز إلى حدثٍ ما ليتحوّل العقل إلى متفرجٍ دائم، ومستجيبٍ فوري لكل جديد، فتُسلب القدرة على التحليل والتقدير؛ فالإعلام يستقصي ما نتابع، ثم يحدّد — في الخفاء — ما نفكّر فيه، وما نهمله أيضًا، ليخلق لنا عالمًا جديدًا كما رسمه لنا؛ لنستغرق في تحليلاتٍ غير منهجية، ونغرق في الأحلام، ونترك الواقع.

عزيزي القارئ والمستمع والمشاهد،
لا تشغل نفسك بكل ما يُنشر ويُذاع ويُبث، فعقولنا ملكٌ لنا، نملؤها بما نشاء من معلوماتٍ تنير بصائرنا، لا تفاهاتٍ تُربك أدمغتنا وتُرهق قلوبنا.

إياك أن تكون وعاءً يقبل كل شيء، ولا ذاكرةً مستأجرة لكل خبرٍ رخيص، ولا عينًا تُصدّق الأوهام والشائعات، بل كن عقلًا رزينًا يعرف ما وراء الخبر من مصدره وحقيقته وواقعيته.

في وقتنا الراهن تتسابق وسائل الإعلام على نشر الخبر كسبقٍ صحفي أو إخباري، ليختلط الحق بالباطل، والبهتان بالأدلة، دون مراعاةٍ للحقيقة؛ فغالبًا ما يُصنع الخبر ويُلوَّن بالأحمر تحت عنوان “عاجل” أو ما يقابلها من مصطلحات لمصلحة فئةٍ على حساب فئة.

وحقيقة الأمر أن ما دعاني لكتابة هذا الموضوع أن أحد أبنائي حدّثني بدهشة عن أحداث الجزيرة ومغامراتها، رغم أنني أزعم أنني أُقنّن استخدامهم للتلفاز والحاسوب والهاتف النقال تقنينًا جيدًا، وأتابع — نسبيًا — ما يشاهدون ويتابعون. لكنّ البيئة، وما أدراك ما البيئة، تضخّ إليهم المعلومة من حيث لا ندري؛ من الأصدقاء، والإعلانات، والأخبار، وغيرها من الوسائل التي لا يمكن الحدّ منها إلا بالتوعية والنصيحة.

ومع ذلك، فأنا أُعوّل كثيرًا على تنامي الوعي العربي والعالمي، خاصةً بعد طوفان الأقصى وما جرى في غزة؛ إذ أصبح الإنسان — في كثير من بقاع العالم — قادرًا على البحث عن المعلومة الصحيحة من مصدرها، وأن يُمحّص ما يصله بعقله الناضج المستنير.

وأنا مؤمنٌ تمامًا بأن الأخبار الزائفة، مهما تكاثفت وارتفعت، ستكبر كالبالون وتعلو في السماء، لكنها لا تلبث أن تنفجر عند انكشاف الحقيقة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights