السلوك البيئي بين الوعي والممارسة
بدرية بنت حمد السيابية
ليست نظافة المكان سلوكا هامشيا أو مظهرا شكليا، بل هي قيمة أخلاقية أصيلة ارتبطت بالإنسان منذ أقدم الحضارات، واعتبرتها الشريعة الإسلامية جزءا من الإيمان والسلوك القويم. وقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى حين قرن الطهارة بمحبة الله، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة:222]
فالمحبة الإلهية هنا لم تربط بالشعائر المجردة وحدها، بل بالسلوك اليومي الذي يعكس صفاء الظاهر والباطن معا.
وفي السنة النبوية يتجلى هذا المعنى بوضوح؛ عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال النبي ﷺ:«الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ»-رواه مسلم؛ وهو حديث يؤسس لمفهوم شامل للطهارة، لا يقتصر على البدن، بل يمتد إلى المكان والبيئة وما يحيط بالإنسان. كما حذر ﷺ من تلويث الأماكن العامة، عن أبي هريرة رضي الله عنه فقال: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ» قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم»- رواه مسلم، وهو نص صريح في تجريم إيذاء الآخرين بتلويث الأماكن المشتركة.
وانطلاقا من هذا الأساس القيمي، يصبح الحفاظ على نظافة الشواطئ، والمخيمات، والأماكن العامة التزاما أخلاقيا قبل أن يكون نظاما أو قانونا. فالمكان الذي نستخدمه ليس ملكا لنا وحدنا، بل حق مشترك، واحترامه دليل على احترامنا للمجتمع بأسره.
وتشير الدراسات البيئية الحديثة إلى أن السلوك الفردي هو العامل الأكثر تأثيرا في حماية البيئة أو الإضرار بها؛ حيث يؤكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن تغيير أنماط السلوك اليومي، مثل إدارة النفايات واحترام الأماكن العامة، هو الركيزة الأساسية للاستدامة البيئية. كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن التلوث الناتج عن النفايات العشوائية ينعكس مباشرة على الصحة العامة، ويؤدي إلى انتشار الأمراض وتشويه النظم البيئية.
ومن المؤسف أن نشاهد رغم هذا الإرث الديني والوعي العلمي ممارسات تفتقر إلى الحد الأدنى من الذوق العام، خصوصا في المخيمات التي تستأجر نظيفة ومجهزة، ثم تترك بعد الاستخدام في حالة من الفوضى والتخريب، وكأن المكان بلا صاحب، أو بلا قيمة. وهذا السلوك لا يسيء إلى البيئة فحسب؛ بل يظلم أصحاب هذه المشاريع الذين بذلوا جهدا ومالا في تجهيزها، واتخذوها مصدر رزق مشروع.
إن غرس ثقافة النظافة لا يكون بالمواعظ وحدها؛ بل بالتربية والممارسة، فحين يتعلم الطفل أن يترك المكان نظيفا كما وجده؛ فإنه يتربى على احترام الحقوق العامة، ويتشكل لديه وعي مدني حقيقي. ولهذا فإن مسؤولية نشر هذا الوعي تقع على الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات، والإعلام، بوصفهم شركاء في بناء الإنسان.
إن الرقي في نظافة المكان ليس ترفا أخلاقيا؛ بل معياراً حضاريا، ودليل وعي، وشاهد على صدق القيم التي نؤمن بها. فالمجتمع الذي يحترم مكانه؛ يحترم نفسه، ويؤسس لمستقبل أنظف صحيًا وأخلاقيا وإنسانيا.



