يناير تجدد العهد واستمرار النهج

صالح بن سعيد الحمداني
في الحادي عشر من يناير من كل عام تستحضر سلطنة عُمان محطة تاريخية فارقة في مسيرتها الحديثة، حين تولّى حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليدَ الحكم، خلفًا للسلطان الراحل قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ، ولم يكن ذلك اليوم مجرد انتقالٍ للسلطة وفق النظام الأساسي للدولة وإنما كان لحظةً وطنيةً جامعة اختلط فيها الحزن على فقدان قائدٍ استثنائي، بالفخر والطمأنينة بمستقبلٍ تقوده قيادةٌ حكيمة تواصل المسيرة وتستشرف آفاقًا جديدة، فقد جاء يوم 11 يناير 2020 في ظرفٍ إقليمي ودولي بالغ التعقيد؛ إذ كانت المنطقة تواجه تحدياتٍ سياسية واقتصادية متسارعة، ويشهد العالم تحولاتٍ كبرى على مختلف الأصعدة، وفي هذا السياق شكّل انتقال الحكم بسلاسة وهدوء رسالةً قوية عن رسوخ الدولة العُمانية ومتانة مؤسساتها، وعن وعي المجتمع العُماني والتفافه حول قيادته، بما يجسّد مدرسة عُمان الفريدة في إدارة شؤون الحكم وتعاقب القيادة، لقد كان السلطان الراحل قابوس بن سعيد رحمه الله، باني نهضة عُمان الحديثة، وقائدًا استثنائيًا وضع أسس الدولة العصرية، ورسّخ مبادئ السياسة الخارجية القائمة على الحكمة والسلام وحسن الجوار.
كما بنى الإنسانَ العُماني في مجالات التعليم والصحة والتنمية، ومع رحيله شعر العُمانيون بفقدان الأب والقائد، غير أن اختيار السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ـ الذي عُرف بخبرته السياسية والفكرية والثقافية أعاد الطمأنينة إلى النفوس، وأكّد أن الدولة تسير بثبات على نهجٍ مؤسسي واضح، ومنذ تولّيه الحكم، ألقى جلالة السلطان هيثم بن طارق خطابًا تاريخيًا رسم فيه ملامح المرحلة المقبلة، مؤكدًا المضي قدمًا على النهج الذي أرساه السلطان قابوس، مع إدراكٍ واعٍ لمتطلبات المرحلة وتحدياتها، وقد تميّز الخطاب بالوضوح والصدق، واضعًا المواطن في قلب الاهتمام، ومؤكدًا على ترشيد الإنفاق، وتحقيق الاستدامة المالية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير منظومة التعليم والتشغيل.
وخلال السنوات التي تلت 11 يناير شهدت سلطنة عُمان حزمةً من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والتشريعية، في إطار “رؤية عُمان 2040” التي تمثل خارطةَ طريقٍ وطنية نحو تنميةٍ شاملة ومستدامة، وقد عمل جلالة السلطان على إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وتحديث القوانين، وتعزيز مبادئ الحوكمة والكفاءة، بما يسهم في تحسين الأداء المؤسسي ورفع جودة الخدمات المقدّمة للمواطنين.
كما أولى جلالته اهتمامًا خاصًا بالشباب العُماني إدراكًا لدورهم المحوري في بناء الحاضر وصناعة المستقبل؛ فتم التركيز على تمكينهم اقتصاديًا، وتهيئة بيئة داعمة للابتكار وريادة الأعمال وتوسيع فرص التدريب والتأهيل، بما ينسجم مع متطلبات سوق العمل المتغيرة، وعلى الصعيد الخارجي واصل السلطان هيثم بن طارق السياسة العُمانية المتزنة، القائمة على الحياد الإيجابي وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وتعزيز الحوار والتفاهم بين الدول، وقد حافظت عُمان في عهده على مكانتها المرموقة صوتَ عقلٍ وحكمةٍ في المنطقة، تسهم في تقريب وجهات النظر ودعم جهود السلام والاستقرار.
إن مناسبة 11 يناير لا تُستحضر بوصفها ذكرى بروتوكولية فحسب ولكنها محطةً للتأمل في مسيرة وطن، وتجديدًا للعهد والولاء، واستحضارًا لقيم المسؤولية والشراكة بين القيادة والشعب، فهو يوم يؤكد فيه العُمانيون التفافهم حول قائدهم، وإيمانهم بقدرتهم على تجاوز التحديات، وصناعة مستقبلٍ أكثر إشراقًا، وفي كل عام يأتي الحادي عشر من يناير ليجدّد في النفوس معنى الاستقرار، وأهمية القيادة الحكيمة، وقيمة العمل المشترك من أجل عُمان، وبين إرثٍ عظيم خلّفه السلطان قابوس بن سعيد ورؤيةٍ طموحة يقودها السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ـ، تمضي سلطنة عُمان بثقة نحو المستقبل، مستندةً إلى تاريخٍ راسخ، وحاضرٍ واعٍ، وطموحٍ لا يعرف المستحيل.



