من لم يؤسِّس له جدولًا، جدولته الملهيّات!

عادل بن حميد الجامعي
حين نُمعن النظر في أعوامنا الماضية، نكتشف أن الزمن لا يسرقنا فجأة، بل ينسحب من بين أيدينا بهدوء. دقيقة هنا، إشعار هناك، وموعد لم نكتبه لأنه سيُحفظ في البال! ثم نفاجأ في نهاية العام بأن الأيام مضت، وأننا كنّا مشغولين.. لكن ليس بالضرورة بما أردنا.
هذه العبارة ليست توبيخًا، وإنما تنبيه رقيق. فالجدول ليس قيدًا، وإنما بوصلة. ومن لا يصنع بوصلته بيده، سيجد نفسه يسير وفق خرائط الآخرين: إيقاع المنصّات، عجلة المقارنات، ضجيج الأخبار، وتراكم الالتزامات الصغيرة التي تبتلع الكبير.
نحن لا نحتاج إلى جداول صارمة تُخيف الروح، ولا إلى خطط مُرهِقة تُفقد الحياة عفويتها. نحتاج فقط إلى نية مُعلنة للزمن: متى أكتب؟ متى أتعلم؟ متى أستريح؟ ومتى أترك للهامش فسحته الجميلة؟ الجدول اللطيف لا يُخاصم الحياة؛ بل يُصادقها، ويمنحها إطارًا يحميها من التشظّي.
عام 2026 يطرق الباب.. هل نعرف ما نريده -ولو على نحوٍ تقريبي- هل نُسمّي الأشياء بأسمائها: هذا وقت العمل، وهذا وقت القلب، وهذا وقت الصمت الذي تتخلّق فيه الأفكار. وأن نؤمن بأن القليل المنتظم، أصدق من الكثير المتقطّع.
قد نخطئ في التقدير، ونُبدّل الأولويات، ونؤجّل بعض الأحلام.. لا بأس.. الأمور طيبة، المهم ألّا نترك الأيام تُدار نيابةً عنا.. أن نُمسك بالقلم، ونكتب سطرًا أول: هنا تبدأ أيّامي كما أُحب.. ثم نترك للرحمة أن تُكمِل ما عجز عنه التخطيط.
فلنُقبِل على العام الجديد بخفّةٍ واعية: جدولٌ يُشبهنا، يراعي طاقتنا، ويُفسِح للدهشة مكانًا.. لأن من يُؤسّس لوقته بلطف، يجد في النهاية أن الوقت صار حليفًا.. لا خصمًا.



