كلما هممتَ ..
مَيّاء بنت سعيد الصوافية
أكلما هممتَ يا قلبي، أن يغشاك نور من القرآن تأخذك ظلمة التسويف؛ فتتعثر قدماك بعقبات الملهيات، وتوخزك أشواك المغريات، وتغشى بصيرتك ضلالة العتمات؛ فترى النور في دروب المغريات، وتعصب عينيك عن النور المنسكب من فواصل الآيات المنيرات، وإني لأراك يا قلبي، مبتعدا عنه ابتعاد الغافل عن طريق النجاة!
تلين قبضة يدك حين تمسك مصحفك بيد، وهاتفك باليد الأخرى متى تعود إليه، وتنأى عن أكاذيب الغفلات، ويكون همك الأول؟.
اعلم يا قلبي، بأن القرآن هو مصلح كل شيء، ومبارِك لكل فعل؛ فاجعله إمام كل عمل، وبادرة كل فعل؛ فلا تكلّ مساعيك عنه، ولا تنطفىء همتك عن الأخذ من معين صفوه ولا تملَّ من أوقاته معك.
أكلما هممت يا قلبي، بقراءة القرآن سابقت الوقت منتصرا عليه؛ كأنك تباري ثوانيه قبل دقائقه … فأين سكينتك يا قلبي حين تقرأه؟.
اعلم بأن القرآن يبارك أوقاتك؛ فالثانية بركاتها كدقيقة والدقيقة ثمارها كالساعة، والساعة تغدو معه كأنها يوم، واليوم بركاته كأنه شهر.
أكلما هممت بحفظه زاحمت معه ما لا يسمن، ولا يغني من جوع؛ من قصص وروايات؛ زاحمت معه الحياة الدنيا، وهو يا قلبي، لك الحياة في الأولى والآخرة !.
اعلم يا قلبي، بأن كل العلوم سوى القرآن مشغلة؛ فهو عزك إن أذلتك الحياة، وغناك إن قل مالك، ومجدك إن غادرتكَ رفعتُكَ، ومأواك إن غاب ملجؤك.
أكلما هممت بقراءته قرأته كحروف، ولم تبحر في عباب بحره، ولم تمتليء من رسائل مدده!
اقرأ يا قلبي، كأن الله يكلمك؛ لأنه كلام الله فكل آية تقرؤها هي رسالة من الله إليك، وكشف لكربة ألقت بظلامها عليك.
أكلما هممت يا قلبي، بقراءته ما رأيتك تبحث عن نور التقوى من ضياء آياته!.
اعلم يا قلبي، بأن الله نور؛ فكل حروف القرآن نور، وستنزل عليك كنور ستشعر به عندما تستعذب آياته، وتترنم بها في ضياء شمسك وظلمة أسحارك.
أكلما هممت في قرآته زاحمت في حبه الغير، اعلم يا قلبي، أن القرآن عزيز منيع لا يرضى أن يقاسمه شيء في قلبك؛ فإن أعطيته كلك سيعطك كلك وأنت في ثوب الرحمة والغفران.
أكلما هممت بقراءته تقرأه وقتا قصيرا، وتجفوه أياما وشهورا!
اعلم يا قلبي، بأنه وفيّ لصاحبه؛ فكن ثابتا معه كجذر ثابث، وفيا له كضرورة لا تستغني عنها.
هو جائزتك الثمينة – ألا إن سلعة الله غالية – التي تستحق العناء للوصول إليها؛ فابذل لها مساعي الجد، وليالي السهر، والأوقات المثمرة، اجعله رفيق رحلتك في دنيا الفناء، وزادك لآخرة البقاء.
هو الضياء لحلقات تدبره وترتيله يحلق نوره بين جنبات التالين المرتلين المتدبرين؛ فاغشَ حلقاته لتغشاك رحماته، وينير وجهك بضياء آياته.



