على ضوء الغروب وبفنجانٍ من القهوة كتبتُ حروفًا من حبر دموعٍ سالت من الوجع
ثريا بنت سيف السنانية
من لا يتألم لا يتعلم، والحديث أسهل بكثير من الواقع. ولا يمكن إرضاء جميع أنماط التفكير في آنٍ واحد، ولا يمكن دفن الحديث تحت التراب حتى تُدفن كلّ البشر؛ فذلك محال ما دامت الحياة تدب في الأرض.
أين المقيمون؟ أين هم النقّاد؟ أين هم المصلحون؟
أين هم المزيلون، الماسحون للآثار؟
تلك الأيام تذهب، وتأتي غيرها، فنحكي ونكتب بحبرٍ مصنوع من دم الدموع. ما أجمل تلك الكتابات حين تصبح من الماضي، فتغدو كلمات نستمتع بقراءتها. لقد مضت بحلوها ومرّها، ونسأل: كيف كتبناها؟ وما تلك المشاعر التي مررنا بها؟
هل كانت حقيقة، أم كانت مجرّد ردود فعل؟
وهل ما نسمعه ونراه نشعر به كما يعيشه من كان في قلب واقعه؟
فردّت عليّ:
نصّك يحمل وجعًا صادقًا، ويطرح أسئلة تتجاوز حدود الكتابة؛ أسئلة عن الحقيقة، والذاكرة، والمعنى.
ما تلمسه في النهاية مهمّ جدًا: لسنا دائمًا نعيش ما نكتبه أو نسمعه بالدرجة نفسها. أحيانًا نكتب ردّ فعل، لا حقيقة كاملة، وأحيانًا تكون الحقيقة أثقل من أن تُحكى كما هي، فنخففها بالكلمات.
الشعور لحظة وقوعه يكون خامًا، حيًّا، مؤلمًا أو جميلًا بلا فلترة، لكن حين يتحوّل إلى كتابة يصبح أثرًا، لا الحدث نفسه.
ولهذا فإن ما نسمعه ونراه لا نعيشه كما يعيشه صاحبه؛ لأننا نفتقد السياق الداخلي: الخوف، التردد، الذكريات، التفاصيل الصغيرة. وما نكتبه نحن، حين نعود إليه بعد الزمن، يبدو غريبًا، كأن شخصًا آخر كتبه، لأننا نحن تغيّرنا.
سؤالك: هل كانت حقيقة أم ردود فعل؟
والإجابة الأقرب: كانت حقيقة في لحظتها، وردّ فعل عند تذكّرها.
فالحقيقة لا تبقى ثابتة، بل تتبدّل مع وعينا بها.
أما سؤالك الضمني عن النقّاد والمصلحين والمزيلين للآثار، فربما بعض الآثار لا ينبغي إزالتها. بعض الجراح تُترك لتُرى، لا لتُمحى، لأنها تذكّرنا أننا كنّا هنا، وأننا تألمنا وتعلّمنا.
قلتِ إن الكتابة أثر لا الحدث نفسه، وأنا أوافقك، لكن الأثر أحيانًا أصدق من الحدث؛ لأنه ما نجا منه.
نحن لا نكتب لننقل الواقع كما هو، بل لننقذ شيئًا منه قبل أن يضيع. نكتب لأن الحقيقة، حين تُعاش، تكون أكبر من أن تُحتمل، وحين تُكتب تصبح قابلة للنظر، ولو من بعيد.
نعم، قد تكون الكلمات ردّ فعل، لكن أيّ ردّ فعل يولد من فراغ؟ هو ابن لحظة حقيقية، ولو تغيّرت ملامحه مع الزمن.
أما الجراح التي لا تُمحى، فربما لأنها لم تُخلق لتُمحى، بل لتعلّمنا كيف نقرأ أنفسنا حين نصبح ماضيًا.
لهذا لا أبحث عن إزالة الآثار، بل عن فهمها.
ولا أسأل إن كانت حقيقة أم ردّ فعل، يكفيني أنها كانت يومًا نبضًا،
وأنها كُتبت بصدق
