الاستنزاف العاطفي
د. سعود ساطي السويهري
استشاري العلاج النفسي
بادئَ ذي بدء؛ لا بدَّ للإنسان أن يعلم ويعي أنه بشر، وأنه لا يتحمّل ما لا طاقة له به، وأن الاعتدال والوسطية سمتان من سمات الدين الإسلامي الحنيف، وأي إنهاك أو مجهود زائد عن الطاقة والحدّ له آثار سلبية وخيمة وجسيمة على النفس والجسم. وتلك رسالة منبِّهة – في البداية – لتوعية القارئ واسترعاء انتباهه، وجرعة نفسية للعناية الذاتية؛ نأمل أن تصل إلى وريد النفس، وتتدفق في دماء الفكر والتصرف الصحيح.
فالإنسان حاصلُ ضربِ نتاج اتحاد النفس (جانب غير مادي) مع الجسم (جانب مادي)، ولكلٍّ منهما حقٌّ ربانيٌّ مشروع؛ كما أن فهم طبيعة الإنسان يستلزم النظر إلى هذين المكوِّنين بوصفهما عناصر متحالفة ومترابطة، بينهما معاهدات واتفاقيات سلام ووئام، والحرب بينهما لا تجوز، ولا يمكن السماح لها بالقيام مهما كان. وإذا كانت هناك نتيجة حتمية للعبث بهما وبمصالحهما؛ فإن ذلك يسفر عن خسارة كبيرة قد تصل إلى ما لا يُحمد عقباه ومآله ونهايته.
ويُعدّ الاستنزاف العاطفي من أخطر المتغيرات التي تُسبب حالة من الإحساس والشعور بالإنهاك الجسمي والوجداني (الانفعالي)، وهو جوهر الاحتراق النفسي، نتيجة التعرّض المستمر لضغوط نفسية واجتماعية وأسرية وحياتية، سواء في العمل أو الحياة العامة. وينتج ذلك عن عدم وعي، أو عن تحدّي الإنسان لنفسه، تاركًا وراءه آليات مدمِّرة قد تصل به إلى حدّ الهلاك، وخصوصًا إذا كان يعاني من صراعات أو حالات عاطفية معيّنة. وهذه عوامل دالّة على عدم التحضّر للمواجهة، وقصور التعامل الفعّال مع المشكلات التي يتعرّض لها. وهنا نستطيع القول إن الإنسان قد وصل إلى النزيف الصامت الذي يستهلك الروح، ويؤدي إلى عدم البوح، وهو ما يُسمّى بنضوب الأنا؛ أي استنفاد الموارد العاطفية، والشعور بالتعب كنتيجة للمطالب الحياتية والوظيفية المفرطة.
ويترتب على الاستنزاف العاطفي مجموعة من العوامل المختلفة، وهي كالتالي:
القلق المستمر: فحالات التوتر والارتباك والخوف من المجهول من أسباب هذا الاستنزاف.
الإنهاك: من خلال التعب المستمر، والشكوى من الإرهاق من أقل عمل يمكن القيام به.
فقدان الشغف والاهتمام: سواء بالأشخاص أو الأعمال أو المجتمع ككل.
تبلّد المشاعر: إذ لا يستشعر الإنسان وجوده، ويجد نفسه لا يبالي ولا يكترث بأي شيء.
تدهور العلاقات: وقد تصل إلى حد عدم الراحة عند الحديث مع الآخرين، بل إلى رفض الحديث معهم من الأساس.
ضياع الفوائد والإنتاجية: ويتضح ذلك في سلوكيات التوقف عن ممارسة أي نشاط سابق كان يدرّ دخلًا أو راتبًا أو مكاسب.
الإصابة بالاضطرابات الصحية والنفسية: كالإصابة المباشرة في أحد أجهزة الجسم، أو الجهاز النفسي كالأنا.
وهنا يأتي دور رأس المال النفسي والاجتماعي، وهو أحد الموارد البشرية المهمة التي ينبغي بناؤها وتعزيز رصيدها لدى الأفراد، وهو بمثابة مخزون يمكن الرجوع إليه عند الحاجة، ويتمثل في بناء الثقة بالنفس، والمرونة، والتفاؤل، وطلب الدعم الاجتماعي، والتكيّف مع التحديات، ومشاعر الرضا، والتصرّف بحكمة ورويّة واستبصار ووسطية واعتدال.
ومن هنا نؤكد على وحدة الوجود الإنساني، والحفاظ على النفس والجسم، ويتم ذلك من خلال إدارة الوقت، ووضع الحدود الفاصلة، والموازنة بين الأعباء والأشياء، والتحديات والمتطلبات، والأمل والعمل، وكذلك الوسطية بين الجهد وترك مساحة للحياة بما فيها من متعة وحظ ونصيب. قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [سورة القصص: 77].
وقال تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة: 143].
عزيزي القارئ؛ إن الاستنزاف العاطفي طريق لا ينبغي السير فيه، بل يجب تغيير المسار، والتوقف عن محاولة التحكم في كل شيء، والتعلّم من أخطاء الآخرين قبل الوقوع في الخطأ، والبدء في بناء حياة أكثر توازنًا وسعادة. وتذكّر أن الإنسان لا يستطيع أن يملك كل شيء، وحتى لو امتلكه فلا قيمة له دون الرضا والصحة النفسية والجسدية.



