حين تختل البوصلة .. وتُمنح المنابر لغير أهلها

محمد بن سعيد بن مبارك العلوي
في خضمّ التحولات المتسارعة التي يعيشها العالم اليوم، يتصدّر مشهدٌ مقلق يستحق التأمل ألا وهو صعود التافهين إلى المنصات، وتراجع أهل القيم والعلم والحكمة إلى الظل. ظاهرة ليست جديدة من حيث الحدوث، لكنها اليوم أكثر وضوحًا وانتشارًا، حتى غدت معيارًا لدى فئة من الناس، وكأن الموازين قد انقلبت رأسًا على عقب.
وليس هذا الانقلاب سوى صورة مما حذّر منه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ فقد رسم لنا الشرع الحنيف معايير ثابتة للكرامة والرفعة لا تقوم على الشهرة، ولا على الظهور في وسائل الإعلام، بل على التقوى والصدق والعلم والعمل الصالح. يقول الله تعالى:
> ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [سورة الحجرات: الآية 13]
وهذا إعلان ربّاني واضح بأن القيمة لا تُقاس بالمظاهر، بل بما في القلوب من تقوى، وما في الأعمال من إخلاص.
كما أخبرنا النبي ﷺ عن زمن تختل فيه المقاييس، فقال:
> “يأتي على الناس سنون خدّاعة، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخوَّن الأمين…”
وفي حديث آخر قال ﷺ:
> “إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويظهر الجهل.”
وما نراه اليوم من بروز التفاهة وانتشار المحتوى السطحي عند البعض إلا صورة حيّة من هذا الجهل المرفوع رايةً فوق المنابر.
جوهر المشكلة… حين يصبح الضجيج معيارًا والفراغ فكرًا
إن رؤية مجموعات من الناس تمجّد شخصيات لا تملك من العلم ولا التجربة ولا الأخلاق حدًّا أدنى، هو إشارة واضحة على خلل في الذائقة العامة. الخطر لا يكمن في وجود هؤلاء فالتاريخ لم يخلُ من الصغار هو بل في تنصيبهم رموزًا، ومنحهم المنصات، واعتبارهم مصدرًا للتأثير.
وهذا لا يحدث فجأة؛ بل هو نتيجة تراكمات طويلة نلخصها في هذه النقاط التالية:
أولًا. ضعف في مؤسسات التربية والوعي.
ثانيًا. غياب القدوات الحقيقية.
ثالثًا. تراجع دور الإعلام المسؤول.
رابعًا. سيادة المحتوى السهل على حساب المحتوى الهادف.
فحين يحتفي المجتمع باللاشيء، يصبح من الصعب على القيمة أن تجد طريقها.
القدوة… حجر الزاوية في بناء الأجيال
لقد أدرك الإسلام منذ بداياته أهمية القدوة، فجعل النبي ﷺ أعظم نموذج يُحتذى به، قال تعالى:
> ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [سورة الأحزاب: الآية 21]
فالقدوة قوة تربوية تتجاوز الكلمات. إن المجتمعات التي تقدّر العلماء والمربين وأصحاب الإنجاز، هي التي تبني مستقبلًا متينًا، بينما المجتمعات التي ترفع التافهين تهدم ذاتها بصمت، مهما بدا ظاهرها مزدهرًا.
إن غياب القدوة الصالحة يفتح الباب لرموز بلا مضمون، تتحكم في الذائقة، وتعيد تشكيل الوعي وفق معايير هشة.
امتنان الروح… حين ترفض الانضمام إلى القطيع
ومع كل مشاهد الضجيج، يبقى الإنسان الواعي ممتنًا لروحه التي لم تنجرف، ولم تضعف، ولم تُغوِها الشهرة الزائفة، فنعمة الوعي في زمن الاضطراب أعظم نعمة، والثبات على المبدأ في زمنٍ تتبدل فيه القيم هو بطولة صامتة لا يدركها إلا من عاشها.
أن تحافظ على بصيرتك وسط هذا العاصف، وأن تظل وفيًّا لقيمك رغم تبدل الموازين، هو شكل من أشكال النجاة الراقية التي لا يمنحها الله إلا لعباده الثابتين.
وهكذا، يبقى الوعي الحقيقي هو الدرع الأخير الذي يحمي المجتمعات من الانحدار ويصون منظومتها الأخلاقية من التشويه والسطحية. فالمجتمع الذي يرفع من شأن أهل العلم والخبرة، ويمنح المنابر لأصحاب الرسالة والقدوة، هو مجتمع يختار مستقبله بوعي، ويحصّن أبناءه من الانجراف خلف العبث.
أما الاحتفاظ بالبصيرة وسط فوضى الأصوات، فهو موقف يعكس قوة داخلية لا تُقدَّر بثمن؛ قوة تجعل الإنسان قادرًا على الوقوف بثبات حين يضعف الكثيرون، وعلى التمسك بمبادئه حين تتغير الموازين. وهذه القيمة قيمة الثبات هي التي تصنع الفارق بين أمة تنهض وأخرى تتلاشى خلف ضجيج لا يحمل أثرًا.
إن إعادة الاعتبار للقيم لا تحتاج إلى صخب، بل إلى وعي صادق، وإرادة واضحة، وقدوات حقيقية تنير الطريق. وحين تُصحَّح البوصلة، ويُعاد الاعتبار للجدارة، سيكتشف المجتمع أن النهوض يبدأ من رفع قيمة العقل… لا من رفع أصوات الفراغ.



