الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
تحقيقات صحفية

عُمان… رحلةٌ إلى قلب الوداعة

كتب – سالم بن محمد اللويهي

في حديث لصحيفة النبأ الإلكترونية، حدثنا الدكتور علي الطائي قائلاً إن السفر بين العراق وسلطنة عمان هو عبور إلى فضاء عربي هادئ، يلتقي فيه التاريخ بالروح، وتلتقي فيه الكلمات بأصحابها.

انطلق وفد مجلس الدكتور علي الطائي الثقافي في بابل — الذي تأسس عام 2020 ليكون صوتاً حياً للشعر والأدب والمعرفة — نحو مسقط، وعيونهم ممتلئة بتوقٍ لتجديد روابط الأخوة العربية وبناء جسور ثقافية تمتد من الفرات إلى بحر عُمان. لقد سافرت القلوب قبل الأقدام، وسافر الشعر قبل المسافر، فكانت الأيام السبعة أشبه بكتاب تُقلَب صفحاته على مهل؛ كل صفحة تحمل مفاجأة، وكل محطة تترك أثراً يزرع داخلك نوراً جديداً.

بدأ برنامج الزيارة في الجمعية العُمانية للسينما، المكان الذي يشبه ورشة ضوء تحترف صوغ الفنون. القاعة كانت مكتملة بالحضور: مخرجون، ممثلون، شعراء، نقاد، وفنانون من البلدين. كان لهذا اللقاء أثرٌ عظيم، فهو رحلة إلى عمق الإنسان والمجتمع والذاكرة العُمانية الحديثة.

وفي إحدى أهم محطات الرحلة، حلّ الوفد ضيوفاً على مجلس السيد قحطان البوسعيدي، وهو مجلس يمتلك روحاً منفتحة على الحوار العربي وجواً يليق بتبادل الأثر الثقافي. امتلأت الأمسية بالشعر، وكان صوته يتردد في المجلس كنسيم خفيف يتجول بين الكراسي والوجوه. ألقى الشعراء قصائد عراقية وعمانية، يا لها من رحلة تُشبه الحلم، تمضي فيها القوافل من أرض الرافدين، حاملة عبق دجلة والفرات إلى الضفاف التي تغسلها أمواج بحر عُمان، حيث يلتقي القلب العربي بأخيه، وتنعقد خيوط الود على منوال المعرفة والجمال.

إن لقاء الأدباء العراقيين بمثقفي عُمان كان أكثر من تواصل عابر، فهو امتداد لتاريخ من النبل والرؤى المشتركة، وتأكيد على أن الثقافة جسر الأمم حين تتهاوى الجسور الأخرى، وأن الكلمة الصادقة ما تزال قادرة على جمع القلوب والارتقاء بالأوطان. سلام على عُمان، دار الكرم والعراقة، وسلام على كل يد تصافح المعرفة بصدق، وعلى كل عقل يرى في الكلمة خلاصاً من القبح والفرقة، وعلى كل خلق كريم يجسّد أصالة الإنسان العُماني وروح العروبة النبيلة. ونسأل الله أن تبقى عُمان والعراق، كما كانا دائماً، شقيقين في الحرف والجرف، يتعانقان في مرافئ الإبداع، ويلتقيان على صراط المحبة والفكر والإنسان.

مجلس إبراهيم الصلتي… مجلس يضج بالمعرفة
في محطة أخرى، حلّ الوفد ضيفاً على مجلس إبراهيم الصلتي في مسقط، وهي أمسية ذات طابع أدبي خالص. تبادل الشعراء قصائد متنوعة، واستمع الحضور إلى قراءات عراقية وعمانية في تناغم جميل، وكأن القصائد جميعها تتحدث بلهجة واحدة… لهجة الروح.

ثم جاءت الجولة في مكتبة المجلس، المكتبة التي تضم أكثر من 1300 كتاب، مصطفّة بعناية وكأن كل كتاب فيها يحتفظ بأنفاس قارئ مرّ من هنا ذات مساء. كانت الزيارة درساً في العناية بالمعرفة والوفاء للتاريخ واحترام الكتب بوصفها كائنات تنبض حياة. وفي ختام الجلسة، تبادل الطرفان مجموعة جديدة من الكتب، ليظل الأدب هو الهدية الأجمل بين المجالس العربية.

نزوى… ذاكرةٌ تمشي على الأرض
كانت الرحلة إلى نزوى واحدة من أجمل لحظات الزيارة. فهي ليست مجرد مدينة، إنها ذاكرة عميقة وقلعة تشبه قصيدة حجرية، وأسواق مليئة بالتراث والدفء. وقف الوفد أمام قلعة نزوى العالية، التي تبدو كصفحة من تاريخ العرب مكتوبة بحجر صلب. وتجولوا في السوق القديم، حيث تلمع المصنوعات الفضية والذهبية، وتُعرض الصناعات اليدوية التي حافظت على هويتها عبر الزمن. هناك يتردد عبق الحلوى العُمانية… الحلوى التي تُطهى وكأنها تصنع من ذاكرة الناس لا من السكر وحده. نزوى كانت درساً في الأصالة؛ مدينة تُشعرك بأنك تزورها لأول مرة، لكنك تعرفها منذ زمن طويل.

متحف عُمان عبر الزمان
من المحطات التي لا تُنسى زيارة متحف عُمان عبر الزمان، وهو تحفة معمارية تقدم سرداً بصرياً مذهلاً للهوية العُمانية. تجول الوفد بين قاعات المتحف لأكثر من ساعتين، بين المعروضات الطبيعية والآثار القديمة والحرف التقليدية والنماذج التي تحكي عن عمان منذ فجرها الأول حتى حاضرها المتطور. كل قاعة كانت نافذة على زمن آخر، وكل لوحة باباً لدهشة جديدة.

شاطئ العذيبة… مساحة لالتقاط الروح
حين يحتاج المسافر إلى هدنة، لا يجد أجمل من البحر. جلس أعضاء الوفد على الرمال الناعمة يستمعون لصوت الموج وكأنه قصيدة تُلقى بلا ورق. كانت الجلسة هناك مساحة للراحة والابتسام والتقاط الصور والحديث الهادئ، وكأن الشاطئ يعيد ترتيب الهواء في صدور الجميع.

حيّ الموج… احتفال بالهوية
وفي حي الموج، شهد الوفد فعاليات الملتقى الإبداعي الأسري الثاني، إضافة إلى الاحتفالات الخاصة باليوم الوطني العُماني، حيث الرقصات الشعبية والأغاني الوطنية والأهازيج التراثية. كان المشهد نابضاً بالفخر والفرح، وكان وفد المجلس جزءاً منه، لا مجرد زائر يراقب من بعيد.

كلمات شكر
يتقدم مجلس الدكتور علي الطائي الثقافي بالشكر والامتنان إلى:
الأستاذ وليد السعدون (أبو الحسن) لجهوده في الإعداد والتنسيق والمتابعة.
الشاعر عبد الرزاق الربيعي وزوجته الشاعرة جمانة الطراونة لاحتضانهم الوفد بروح عربية أصيلة.
وجميع الشعراء والفنانين والمثقفين العمانيين الذين فتحوا قلوبهم وأبوابهم للوفد العراقي.

خاتمة… قصيدة لم تنتهِ
عاد أعضاء المجلس مفعمين بصور لا تمحوها الأيام، وبرفقة لم تكن عابرة، وبقناعة بأن الثقافة العربية حين تتصافى وتتبادل المعرفة، تصنع معجزتها الخاصة. كانت عُمان — مسقط ونزوى — أكثر من مدن؛ كانت حضناً واسعاً وتجربة ثقافية وإنسانية ستبقى محفورة في الذاكرة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights