ازدواجية التطبيق داخل المراكز التجارية : بين القانون والهوية

محمد بن سعيد العلوي
قوانين يجب أن تُحترم… وقيم لا تُمس
في ظل التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبقى القيم الأصيلة للمجتمعات مرجعًا ثابتًا لا يتبدّل، وهي الركيزة التي تُحافظ على هوية الشعوب وتماسكها. وفي سلطنة عُمان، حيث تمتزج الأصالة بالتحضر، يظل احترام النظام والالتزام بالقانون واجبًا لا يُستثنى منه أحد، مواطنًا كان أو مقيمًا أو زائرًا.
غير أن حادثة شهدتها بتاريخ ١ ديسمبر ٢٠٢٥م داخل أحد المراكز التجارية الكبرى، كشفت عن خلل لافت في مبدأ العدالة، وأثارت تساؤلات حول مدى التزام بعض الإدارات بلوائحها الداخلية، خصوصًا تلك المتعلقة باللباس والاحتشام.
دخلتُ المركز كأي متسوق، ففوجئت بامرأتين أجنبيتين ترتديان لباسًا غير محتشم، مخالف تمامًا للقيم الإسلامية والعادات العمانية، وللوائح المكتوبة عند المداخل. رجل الأمن بالمركز التجاري— وهو عماني — قام بواجبه بدايةً ومنعهما من الدخول، إلّا أن المشهد انقلب بعد دقائق حين سُمح لهما بالمرور إلى داخل المركز دون تقييد.
سألته مستغربًا عن سبب السماح بعد المنع، فجاءت الإجابة صادمة:
“إدارة الفرع الرئيسي لا تمانع ذلك بالنسبة للأجانب… والمنع يُطبّق على المواطنين فقط.”
هذه الإجابة لا تُعبّر عن خللٍ إداري بسيط، بل عن ازدواجية خطيرة تُسيء إلى مبدأ سيادة القانون، وتُثير تساؤلاتٍ حول رسالة هذه الممارسات في بلدٍ يعدّ العدالة ركيزة أساسية في منظومته القيمية.
الاحتشام … قيمة دينية ومجتمعية
الاحتشام ليس مجرد لباس، بل سلوك يحفظ كرامة الفرد وينسجم مع طبيعة المجتمع. وقد أمر الإسلام به صراحةً، يقول تعالى:
﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
[سورة النور، الآية 31]
كما تؤكد الدراسات الاجتماعية أن الحفاظ على الذوق العام في الأماكن المشتركة ضرورة لصون البيئة القيمية والنفسية للأطفال والعائلات، ولمنع ظهور سلوكيات دخيلة تُربك السلم الاجتماعي.
ازدواجية التطبيق… سؤال العدالة
في بيئة عامة يتشاركها الجميع، لا يمكن قبول أن يُطبّق القانون على فئة دون أخرى. فالقانون يفقد هيبته حين يُصبح انتقائيًا، وتفقد اللوائح معناها حين تتحول من توجيهات مُلزمة إلى لافتات تُعلّق عند الأبواب فقط.
إن استثناء المقيمين أو الزوار من الالتزام بالضوابط المعمول بها، بينما تُفرض بصرامة على المواطنين، يُرسل رسالةً خاطئة مفادها أن قيم المجتمع شأنٌ محلي داخلي لا يلتزم به كل من يعيش على أرضه. وهذا يناقض روح التعايش والاحترام المتبادل التي بُني عليها هذا الوطن.
مسؤوليات واضحة يجب أن تُؤدى
التجربة التي شهدتها ليست حادثًا عابرًا، بل مؤشرًا على ضرورة مراجعة الإجراءات داخل بعض المراكز التجارية، وتفعيل الرقابة على تطبيق اللوائح الخاصة باللباس والذوق العام، بما يحفظ بيئة المكان ويمنع المظاهر الدخيلة.
وتقع المسؤولية هنا على:
• إدارات المراكز التجارية في تطبيق لوائحها بلا استثناء.
• الجهات الرقابية في متابعة الالتزام والردع.
• رجال الأمن الذين يجب تمكينهم قانونيًا بدل إحراجهم.
• المجتمع في الإبلاغ عن التجاوزات التي تُسيء للهوية العامة.
عُمان بلد يُحسن إلى الجميع، ويستقبل العالم بكل ترحاب، لكنه في الوقت ذاته بلد يحفظ قيمه ويتمسك بثوابته. والانفتاح لا يعني التفريط بالهوية، ولا التسامح يعني تجاهل القانون.
إن ما حدث يستدعي وقفة مراجعة جادة، فالمسؤولية مشتركة…
والقانون واضح…
والقيم أوضح…
وما بينهما يبقى الواجب: تطبيقٌ عادل يحفظ المجتمع ويصون هيبته دون استثناء أو ازدواجية.



