جنون العظمة..وقيد الأنا

طاهرة الشامسية
ثَمَّةَ لحظةٌ خفيّة، يولد فيها جنون العظمة دون أن نشعر، لحظةٌ يختلط فيها صوتُ الذات الهادئة بصوت الأنا المتغطرسة، فتتوه الملامح بين حقيقة الإنسان وظلّه، بين ما يظنه وما هو عليه.
إنه الجنون الذي لا يحتاج إلى صراخٍ ولا ضوءٍ ولا حشود تُصفّق… يكفيه قلبٌ مُنبهر بنفسه ليقيم مملكته، ويكفيه عقلٌ يرفض الاعتراف بحدوده كي يضع على روحه قيدًا لا يُرى.
وجنون العظمة… يبدأ همسًا.
يأتيك في صورة إنجاز صغير يُضخَّم، أو كلمة مدح تُمنح فتتحول في داخلك إلى تاج، أو اهتمام عابر تُعيد صياغته ليغدو لقبًا لا يليق إلا بك.
وتكبر الأنا مثل بذرةٍ تُسقى بغفلة، حتى تصبح شجرةً تحجب عنك ضوء الواقع، فلا ترى إلا ظلالك، ولا تسمع إلا صدى نفسك، ولا تصدّق إلا ما يرغب قلبك في تصديقه.
ومع كل خطوة يشتد القيد.
قيدُ الأنا ليس حديدًا ولا أغلالًا، إنه قفصٌ من اعتقادات باطلة: أنك الأفضل، الأعقل، الأوعى، وأن العالم يدور حول خطاك، وأن الآخرين جميعًا أقل مما يجب أن يكونوا. فتسقط الرحمة من ميزانك، ويبهت التواضع، وتضيع الحكمة في زحمة الصعود الموهوم.
والخطر… أن هذا الجنون يخدع صاحبه قبل أن يخدع الناس. يجعله يظن أنه يطير، بينما لا يفعل سوى الدوران في المكان ذاته. يجعله يشعر أنه مُهاب، بينما لا يثير إلا الشفقة. يجعله يعتقد أنه يرتقي، بينما يبتعد عن كل ما يرفعه حقًا، الإنسان، والخلق، والنية الصادقة.
جنون العظمة ليس رفعة، بل سقوطٌ من الداخل… سقوط لا ضجيج له، يبدأ بانكسار العلاقة مع الذات قبل أن ينكسر شيء مع الآخرين.
ومن يتوه في مرايا الأنا لا يرى عيبه، ولا يسمع النصيحة، ولا يدرك أن القيد الذي يحمله هو من صنعه، وأن المفاتيح كلها بين يديه، لكنه لا يريد أن يستخدمها.
أما النجاة… فليست مستحيلة. يكفي أن يتذكر الإنسان أنه خُلق ناقصًا ليكتمل بالسعي، وضعيفًا ليقوى بالتجارب، ومخطئًا ليُهذّبه الاعتراف. يكفي أن ينحني قليلًا ليُبصر الطريق، وأن يصغي بصدق ليعرف أين يقف، وأن يزيح عن قلبه غبار «الأنا» ليعود حيًا من جديد.
وفي النهاية…
ليست العظمة في أن نكبر فوق الناس، بل في أن نكبر داخل أنفسنا دون أن نؤذي أحدًا. وليست القوة في أن نهزم الآخرين، بل في أن نهزم في داخلنا ذلك الصوت الذي يهمس: “أنا فوق الجميع”.
فما أقسى أن يُكبِّل الإنسان نفسه بقيدٍ صنعه هو… وما أجمل أن يتحرر حين يدرك أن العظمة الحقّة لا تحتاج إلى جنون، وأن الأنا حين تُروّض… تُنقذ روحًا كاملة من التيه.



