الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

دموع على أعتاب الفرح

  ناصر بن خميس الربيعي

  ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ حمر الحواصل لا ماءٌ ولا شجرٌ ، لم يكن الفجر الذي بزغ على أرض عُمان الطيبة فجرًا عاديًا، بل كان يحمل في طياته وشائج فرحة منتظرة، ترقّبها الأهل والوطن للاحتفال بذكرى يوم التأسيس المجيد، فالأعلام ترتفع في كل ربوع والحمرة تزين الزوايا والأخضر لون نراه خفاقاً، كانت النبضات تتسارع في الشرايين استعدادًا لترديد أناشيد الولاء والانتماء، وتزيين الساحات والبيوت بألوان البهجة، لكن القدر، هذا الكاتب الماهر الذي لا يستشير أحدًا، كان يخطّ سيناريو مغايرًا، يمزج فيه حبر الفرح بدموع الوداع، ليجعل من ليلة العيد أُمًّا لليتم والفجيعة ، ليصعق كل من على أرض عمان بفاجعة لن تكون الأخيرة طالما الأسباب قائمة .

  على بُعد خطوات من خط النهاية الذي كان يرمز لبداية الاحتفالات، وبينما كانت البلاد تستعد لاستقبال الغد بأبهى حلل السرور، انبعثت صرخة ألم مدوية من قلب الطريق، ليخطف الموت سبعة أقمار عمانية قبل أن تشهد سطوع شمس العيد، سبع أرواح غادرت مسرعة، سبع قصص طويت فجأة، كانت بالأمس القريب تتهيأ للمشاركة في ابتهاج الوطن، فإذا بها اليوم تتحول إلى همسات ثكلى، وإلى فراغ موجع في موائد الأهل ، ويلك أيها النور الذي أشعلت الظلام في قلوب أهل عمان .

   إنها المفارقة القاسية التي يسطرها القدر أحيانًا؛ أن يختلط الزمان والمكان بهذا الشكل المؤلم ، فلم يعد للفرح معنى تقبله النفس والعقل حيران في وضع لا نعلم آخره ، كيف لليوم الذي يُفترض به أن يكون قمة المجد والعزة، أن يتحول إلى خيمة عزاء ممتدة على طول البلاد وعرضها؟ وكيف لألحان الفرح أن تتلاشى ليحل محلها صدى الأنين؟ تحول شريط الزينة الذي كان يُفترض أن يلفّ أعناق البيوت، إلى خيط من الحزن يشدّ على القلوب يدميها وكأنها لم تعرف الألم قبل ذلك ، لك الله أيتها النفوس الزكية .

  أيها الوطن العزيز، منك أعتذر فقد استيقظت في يومك الموعود، وأنت تحمل في كفّ الفرح علماً خفاقاً بالحزن والأسى على تقشفٍ أثقل الكبير والصغير على قرارات تجاهلت حقوق أبنائك في الحياة ، وفي الكفّ الآخر جرح الفقد الغائر لسبع ضحايا رحلت دون الوداع رحلت مرغمةً ، كانت دموع الفرح على وشك الانهمار، فسبقتها دموع الحزن، وامتزجت الدمعتان في مشهد مهيب، يجسّد روح هذا الوطن الذي يرتدي ثوب العزة مع عباءة الصبر.

 يوم التأسيس لم يعد مجرد احتفال بالماضي المجيد، بل أصبح اليوم شهادة على مرارة الحياة وحلاوة الإيمان، وعلى تلاحم شعب يتلقى العزاء بالثبات، ويردّد: “إنا لله وإنا إليه راجعون” ، اليوم نرفع الصوت ننادي تحسّسوا حاجات الناس ،يا رعاكم الله، واسعوا في قضاء حاجات الرعية ، فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ولنا في الماضي عبر تحرك الحجر وقلوب تتوجس الخطر ، ليبقى أملنا معلقاً بين الخوف والرجاء ، وإننا نعلم أننا نساق إلى الأقدار ولكن لا ندري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً والله المستعان .

رحلوا قبل أن تشهد عيونهم إطلالة الغد المشرق، لكن ذكراهم ستبقى شعلة مضيئة، تذكّرنا بأن الحياة هبة ثمينة، وأن كل يوم نعيشه في أمن وأمان هو احتفال بحد ذاته. السلام على أرواحهم الطاهرة، والعزاء لأهلهم وللوطن الذي فقد جزءًا عزيزًا منه في لحظة تتراوح بين بهجة البدايات ومرارة النهايات.

 

 

 

 

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights