الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

اعرف نفسك ..

    صالح بن ناصر المحروقي

يُقال أنّ أول الحكمة هو أن تعرف نفسك، وقد كانت هذه العبارة محفورةً على معبد دلفي في اليونان القديمة، يتأملها الزائرون قبل أن يدخلوا إلى المعبد، وحين سُئلت كاهنة المعبد عن أحكم الناس قالت: سقراط، فقيل لها: ولمَ؟ فقالت: لأنه يعرف أنه لا يعرف.

 تلك الكلمة التي بدت تناقضاً في ظاهرها، كانت مفتاحاً للحكمة في باطنها، إذ لا يبلغ الإنسان عمق الفهم حتى يدرك حدود نفسه، ويتحرر من وهم الكمال.

إنّ أخطر الأوهام هو أن يظنّ المرء أنه يعرف نفسه، بينما هو غارق في أعماق جهله بها، فالجهل بالنفس لا يؤدي إلى الوقوع في الخطأ وحسب، بل يجعل صاحبه يأنسُ به، ويدافعُ عنه كأنه الحق، وحين يتوقف الإنسان عن محاسبة نفسه فإنّ الأهواء تتحكم به، فيصبح الخطأ لديه عادةً، ويغدو الباطل جزءاً من هويته.

ومن لا يعرف نفسه حقاً يظلم الآخرين وهو يظن أنه يعدل، ويؤذي غيره وهو يظن أنه يُحسن، وما أكثر الذين يتحدثون عن القيم وهم يسقطون في أضدادها دون وعي، وقد ضرب القرآن الكريم أمثلة على ذلك، فذكر كيف أنّ كفار قريش وهم في النار، يتساءلون مع أنفسهم: “ما لنا لا نرى رجالاً كنّا نعدّهم من الأشرار، اتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار”، فقد كانوا إلى لحظتهم تلك عاجزين عن إدراك خطأ أحكامهم.

وفي موضعٍ آخر قالوا: “اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء”، وتلك هي ذروة الغفلة حين تسطوا على النفس، إذ بلغت بهم الثقة بوهمهم أن طلبوا العذاب بدل الاعتراف بالحق، وهنا تتجلى خطورة الجهل بالنفس؛ حين تظن أنك على حق، بينما أنت تسير إلى هلاكك المحتوم.

ولهذا قال الله تعالى في موضع آخر : “وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون”، وهذه الآية تختصر فاجعة النفس الجاهلة بذاتها، حين تُفاجأ يوم الحساب بأنّ كل ما ظنته صواباً كان خطأً، وكل ما ظنته إيماناً كان اتباعاً للهوى.

ومن أعظم ما يُعين الإنسان على النجاة، هو أن يتعلّم كيف يحاسب نفسه، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم”، فالمحاسبة للنفس ليست عذاباً لها، بل هي نورٌ يكشف أعماقها، ويفتح لها أبواب التصحيح.

وقد أشار علماء النفس إلى أنّ الوعي بالذات هو أساسُ النضج، فالنفس تحمل بداخلها الهوى والعقل والضمير، ومن وازن بين هذه القوى سلمت فطرته، واستقام قراره، ومن أطلق لهواه العنان خسر اتزانه، فلا يعود يُميز بين ما يريد وما ينبغي، فيغدو عبداً لرغباته وهو يظن أنه حر.

ولهذا ذمّ القرآن الكريم الهوى في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: “أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم”، فمن أبشع ما ترتكبه بحق نفسك هو أن تُؤلّهها، وتُعلي أهواءها، حتى لا ترى إلا ما تهواه، ولا تسمع إلا ما يرضي غرورها.

ومن لا يعرف نفسه لا يقدر على إصلاحها، فيظل يدور في دائرة الأذى والضياع، تراه يُعادي الصالحين لأنهم يُحرجونه بمرآة ضميره، ويكرر أخطائه لأنه لا يتوقف ليسائل نفسه، لماذا فعلت هذا، وهل كان صواباً؟

إنّ الحكمة لا تُولد من الكتب وحدها، ولا تُغرس بمجرد صحبة الصالحين، بل تُولد حين يجلس الإنسان مع نفسه آخر اليوم، يُراجع أفعاله، ويُسائل نواياه، ويتفقد مواضع ضعفه، ويُحاول أن يكون أفضل مما كان، فتلك هي البداية الحقيقية لكل نضجٍ روحي وأخلاقي.

إنّ الوعي بالنفس ضرورةٌ تُعيد الإنسان إلى إنسانيته، ومن لم يجلس مع نفسه ليحاسبها جلست عليه ذنوبه تحاسبه، ومن لم يتأمل ضعفه سقط في غيّه وهو يحسب أنه قوي.

وأصدقُ ما يبلغه المرء في رحلته مع نفسه هو أن يرى حقيقتها عاريةً من الزيف، فإنّ أصل المعرفة هو أن تُبصر ضعفك، وأصلُ النجاة أن تُطهّر نيتك، ومن عرف نفسه عرف ربَّه، لأن من أبصر نقصه أدرك كمال خالقه، ومن استقام قلبه على الصدق أراه الله تعالى طريقه، وأورثه من النور والسكينة ما لا يمكن للدنيا بأسرها أن تمنحه إياها.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights