النزاهة

سليمان بن حمد العامري
ربما تكون كلمة واحدة، لكنها تشغل بال كل من يقرأها لما تحمله من عمق ومعانٍ متعددة. النزاهة ليست مختصة بمعنى واحد، بل لها استخدامات عدة، ومن أهمها الشك في مواهب المجتهدين أو السعي لإسقاطهم.
في هذا المقال لن أتطرق إلى الإسقاط الناتج عن زلل الأفعال فقد كتبت عنه في مقال آخر، وإنما سيكون الحديث عن نوع آخر من الإسقاط.
حين يعجز البعض عن الوصول إلى مكانتك، يبدأون بالطعن في نزاهتك. ومن يشك في إخلاص الآخرين إنما يكشف عن فراغ إخلاصه هو. بناءً على ذلك، أرى أن الشك في نزاهة الآخرين إنما هو نقص في صاحب الشك نفسه. وقد كتبت أيضًا في مقال بعنوان وهم النقص.
لا يسعني إلا أن أقول لكل من تسول له نفسه: تفكر تفكير العاقل المنصف، فالدنيا لم تُخلق لك وحدك، ولست أنت وحدك من يحسن الإبداع بينما الآخرين لا يعلمون شيئًا، فتسقط نزاهة مواهب غيرك.
إن الله سبحانه وتعالى هو من اصطفى المواهب ووزعها على الخلائق، لكلٍ نصيبه مما وهبه من الفهم أو الإلهام أو المهارة. فإياك أن تقيس الناس بمقياس التحقير، أو أن تظن أن الله فضلك على غيرك بعلم لديك.
الناجح لا يبرر نجاحه، وإنما الفاشل هو من يبحث عن تبرير لفشله.
لابد من التأكيد على أن الله خلق الاختلاف في جميع خلقه: في الأشكال، والألوان، والعقول، والمواهب، وحتى في مستوى الفهم والعلم. فمنها ما هو هبة، ومنها ما هو مكتسب، لكنها كلها من عطاء الله، كما قال تعالى:
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)
وربط الله الاختلافات الفكرية بالطبيعة البشرية من خلال قوله:
(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ)
فاحذر أن يغريك العلم أو النجاح فتظن أنك أفضل من الآخرين، وتشكك في نزاهتهم دون أن تعرفهم شخصيًا، أو تقرأ عن سيرتهم، أو تجالسهم في مجلس حوار قبل أن تحكم على أعمالهم وأخلاقهم.
وأختتم حديثي لكل من يتجرأ بالإسقاط: لا ترمِ الكلام ثم تقول بعده مبرئًا نفسك إنه كان مزاحًا، بل اعلم أنه خرج من قلبك كعيب يظهر رغبتك في التزين أمام الناس. الكلمة تُلفظ من ليس به صفاء نية وطهارة قلب، وحامل ضغينة وغيرة.
احفظ لسانك أيها الإنسان
لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه
كانت تهاب لقاءه الأقران.



