اقتصاد مُلاك العقار

صالح بن ناصر المحروقي
منذ سنواتٍ طويلة، ظلّ العقار في سلطنة عُمان يمثل الوجهة الأكثر أماناً للاستثمار، والملاذ المفضل لأصحاب الثروات، حيث لا ضرائب تُفرض عليهم، ولا مخاطر إنتاجية تُذكر، فتوجهت رؤوس الأموال نحو شراء الأراضي، وبناء البنايات في العاصمة مسقط وما حولها، حتى تحوّل العقار من وسيلةٍ للتنمية إلى غايةٍ بحد ذاتها، وانعكس ذلك سلباً على أداء القطاعات الإنتاجية في البلد.
هذا التمركز في الثروة حول العقار، خلقَ اختلالاً في طبيعة السوق، إذ تجمّدت رؤوس الأموال في أصولٍ راكدة، وبدلاً من استثمارها في الصناعة أو الزراعة أو التقنية، تحوّلت إلى مبانٍ تستهلك موارد الدولة، من أرضٍ وطاقةٍ وبنيةٍ تحتية، دون أن تضيف قيمةً حقيقية، أو تخلق وظائف جديدة.
وحين تحوّل رأس المال إلى الأسمنت والحديد، تقلّصت السيولة المالية في السوق، وضعفت الدورة الاقتصادية، فالمشروعات التي تخلق الوظائف لم تعد تجد التمويل الكافي، وحتى في مرحلة الإنشاء المؤقتة التي يُفترض أن توفر فرص عمل، فإن أغلبها يذهب إلى العمالة الوافدة، بينما لا يكاد يكون للعُمانيين فيها نصيب، ثم تبقى الأصول العقارية جامدة بعد اكتمالها، وبالرغم من أنها قد تُدر دخلاً جيداً على أصحابها، إلاّ أنها في الواقع لا تبني اقتصاداً وطنياً مستداماً.
لقد أسهم هذا النمط من الاستثمار في تفاقم أزمة الباحثين عن عمل، إذ إنّ الاقتصاد القائم على بيع وشراء العقارات لا يفتح وظائف حقيقية للشباب، ولا يخلق سلسلة توريد متكاملة كما تفعل المشاريع الإنتاجية، والتي تُحرّك بدورها قطاعات النقل والتوريد والدعاية والخدمات، فمشكلة العقار هي أنه يسير ضمن خط مغلق، لا يدور فيه المال إلا في دوائر محدودة ومكرّرة.
كما نشأت إثر ذلك مشكلةٌ اجتماعية لا تقلّ خطورة عن الاقتصادية، فالكثير من ملاك العقارات هم من ذوي النفوذ وكبار رجال الأعمال، وهؤلاء يسعون للحفاظ على مصالحهم، لذلك يعارض كثيرٌ منهم أي توجّهٍ لتقليص أعداد العمالة الوافدة، لأن وجودها ضروريٌ لاستمرار عوائدهم، وكل خطوةٍ نحو ضبط سوق العمل أو تعزيز التعمين تُواجه من قبلهم بمقاومةٍ صامتة.
وخلال استماعي إلى بودكاست “مصعد” الذي استضاف رجل الأعمال العُماني المهندس ياسر البرعمي، لفت نظري ما طرحه من فكرةٍ دقيقة مفادها أنّ الاقتصاد العُماني أصبح في جزءٍ كبيرٍ منه قائماً على اقتصاد ملاك العقار، حيث تتجه الأموال إلى مشاريع مريحةٍ وآمنةٍ في ظاهرها، لكنها لا تخلق قيمةً مضافة حقيقية، بل تُجمّد رأس المال داخل السوق دون أثرٍ إنتاجي.
وهذا النمط من الاقتصاد يشبه ما حدث في بعض الدول التي بنت مدناً ومرافق ضخمة استعداداً لفعالياتٍ رياضية مؤقتة، ثم وجدت نفسها بعد انتهائها أمام بُنى تحتية فارغة تحتاج إلى من يشغلها، فاضطرت إلى استقدام الناس من خارجها لخلق طلبٍ مصطنع، وهكذا نجدُ أنّ السوق العمانية اليوم تعيش وضعاً مشابهاً، إذ أصبح وجود أعدادٍ كبيرةٍ من الوافدين ضرورةً لاستمرار دورةٍ اقتصادية مشوّهة، ليس لحاجةٍ حقيقيةٍ إلى خدماتهم، بل لحاجةٍ إلى شغل المباني التي بُنيت دون دراسةٍ كافيةٍ للطلب الفعلي.
وما زاد الأمر سوءاً، هو دخول الوافدين إلى سوق السمسرة والإدارة العقارية، فأصبح كثير من العمانيين الذين يمتلكون العقارات يعتمدون على الوافدين لإدارتها وتسويقها، وفي المقابل تستمر الحكومة والقطاع الخاص بضخ أموالٍ كبيرة في مشاريع تطويرٍ عقاري جديدة، رغم أنّ حجم السكان الفعلي لا يحتاج إلى كل هذا التوسع.
وبهذا الشكل، تُنفق الدولة ملياراتٍ على البنية التحتية لتلك المشروعات من طرقٍ وإنارةٍ واتصالات، بينما العائد الحقيقي على الاقتصاد يبقى محدوداً، بل ويتسرب جزءٌ منه إلى الخارج عبر تحويلاتٍ ماليةٍ للعمالة الوافدة أو للشركات الأجنبية التي تدير العقارات.
وفي الوقت الذي تُصرف فيه كثيرٌ من المبالغ لتطوير مناطق عقارية وتجارية فخمة في العاصمة، ما تزال مناطق واسعة في المحافظات تعاني من ضعف الخدمات الأساسية، فالكثير من المواطنين ينتظرون لسنواتٍ طويلة إيصال الطرق أو الكهرباء أو المياه إلى المخططات السكنية الحديثة، بينما تُوجَّه الموازنات العامة إلى مشاريعٍ تخدم مجمّعاتٍ عقارية يشغلها الوافدون، وكان الأولى أن تُستثمر هذه الموارد في تحسين حياة المواطنين.
لقد أنتج هذا الواقع اقتصاداً متضخماً في شكله، لكنه هشٌّ في جوهره، فهو يفتقد إلى التوازن بين القطاعات، فلا الزراعة ولا الصناعة ولا التقنية تنمو بالمعدل نفسه الذي ينمو به البناء والعقار، مما جعل التنمية تميلُ نحو الريع بدل الإنتاج، ونحو التكديس بدل التنوّع.
وفي اللقاء ذاته الذي أشرنا إليه آنفاً، اقترح المهندس ياسر البرعمي فرض ضريبة على ملكية العقار نفسها، وليس على المبالغ المحصلة من تأجيره فقط، باعتبارها وسيلةً لإعادة توجيه رؤوس الأموال نحو القطاعات الإنتاجية، فحين يتحمل كبار الملاك تكلفة الاحتفاظ بأصولٍ غير مستغلة، سيجدون حافزاً لتحريك أموالهم نحو مجالاتٍ أكثر نفعاً، كالزراعة والصناعة والخدمات، وهذه الخطوة إن نُفذت بعد دراسةٍ عادلة، يُمكن أن تُعيد بعض التوازن إلى السوق.
إنّ تصحيح هذا المسار لا يكون بإيقاف الاستثمار في العقار، بل بتنظيمه وتوجيهه نحو الحاجة الفعلية، مع سياساتٍ تحفّز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية التي تخلق الوظائف وتولّد القيمة المضافة، وتضمن عدالة توزيع الفرص والثروة، بحيث لا تتحوّل المدينة إلى واجهةٍ عمرانيةٍ جميلة، تخفي وراءها ركوداً اقتصادياً حقيقياً.
الإقتصاد العُماني بحاجةٍ إلى إعادة التوازن بين ما يُبنى فوق الأرض وما يُبنى في الإنسان، فلا ينهض وطنٌ تُكدّس أمواله في الأسمنت، ولا مستقبل لمجتمعٍ يربطُ ازدهاره بإيجار شقةٍ أو عائد مبنى، والأمم لا تتقدم بما تشيّده من أبراج، بل بما تؤسسه من فكرٍ منتجٍ، واقتصادٍ حقيقي ومتنوّع.



