الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

العلامات الأرضية في شوارعنا.. الخطر الصامت

هلال بن حميد بن سيف المقبالي

لا تحتاج كل المشكلات اليومية إلى ضجة لتصبح ظاهرة، إلا في بلدنا العزيز، ولا أدري لماذا! هل لأنها لم تُلاحظ من قِبل المسؤولين أو المعنيين بالأمر رغم مرورهم عليها مرارًا وتكرارًا؟ ورغم وضوحها اللافت للجميع، إلا أنها تبدو غير مرئية للمسؤولين، ما لم يطرق أحد الباب عليهم بتغريدة أو مقال، وكأن لسان حالهم يقول: «يوم تسلم ناقتي ما عليّ من رفاقتي»، ناسين بذلك الواجب الوطني وحسّ المسؤولية.

ومن أبرز هذه المشكلات التي يواجهها السائقون والمارة في كثير من شوارعنا، اختفاء أو بهتان الخطوط والعلامات الأرضية على الطرق، سواء كانت الخطوط الصفراء الجانبية أو الخطوط البيضاء الفاصلة بين المسارات، أو الإشارات التنبيهية والإرشادية الأرضية التي تحدد المسارات وتضبط الحركة المرورية.

هذه الخطوط البسيطة اختفت تمامًا من شوارعنا، خاصة القديمة منها والخدمية وبعض الطرق الرئيسة، وهي مشكلة تمرّ بيننا بصمت لكنها تترك أثرًا كبيرًا على حياتنا، لما لها من أهمية قصوى؛ فهي لغة الطريق التي من خلالها يفهم السائق حدوده ومسافة أمانه ومجال حركته. لكنها اليوم تتلاشى شيئًا فشيئًا تحت وطأة الإهمال، وعدم الصيانة، وحرارة الشمس، ومرور المركبات، وتلف الشوارع وتشققها، وتكرار الإصلاحات دون إعادة طلاء واضح ومنظّم.

لقد أُهملت هذه العلامات رغم أهميتها البالغة، فهي جزء لا يتجزأ من منظومة السلامة المرورية. ناهيك عن كاسرات السرعة (المطبات) التي أصبحت تلالًا بلا خطوط واضحة، يصطدم بها السائق ويتضرر هو ومركبته، وربما تؤدي إلى انقلاب المركبة أو ما هو أسوأ من ذلك.

قد يظن البعض أن هذه الخطوط مجرد تفاصيل جمالية، لكنها في الحقيقة عنصر أساسي في السلامة المرورية، فهي الحارس الصامت على الطرق. واختفاؤها يُرهق عين السائق أثناء القيادة، خصوصًا في الليل أو أثناء هطول الأمطار، حيث يفقد قدرته على توجيه المركبة بسلاسة وأمان، فيتحول إلى شخص مضطر للاجتهاد بعينه وحدسه، مما يزيد من احتمالية وقوع الحوادث.

عندها تصبح كل رحلة مليئة بالغموض والقلق، ويتحول الطريق من مسار آمن إلى أرض مجهولة تحتاج إلى يقظة مضاعفة. وليست الخطورة على السائق وحده، بل تمتد لتشمل المارة وجميع مستخدمي الطريق.

الكثير يتساءل: لمن تعود مسؤولية صيانة هذه الخطوط والعلامات الأرضية؟
هل هي من اختصاص البلديات؟ أم وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات؟ أم شرطة عمان السلطانية؟

إذا أخذنا في الاعتبار أن إنشاء الطرق من اختصاص وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، وأن لشرطة عمان السلطانية دورًا تكميليًا في وضع اللوائح والعلامات التحذيرية ومراقبة الحركة المرورية، بينما تهتم البلديات بنظافة الطرق وإزالة ما يعيق انسيابيتها، فإن السؤال يبقى قائمًا: من الجهة المسؤولة فعليًا عن تجديد هذه الخطوط والعلامات المختفية؟

يبقى الجواب عند المعنيين بالأمر.

ثم يُطرح السؤال الأهم: هل صيانة هذه الخطوط مكلفة؟
الحقيقة، وبعد السؤال، تبيّن أن تكلفتها بسيطة جدًا مقارنة بما قد يترتب على غيابها من خسائر في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة. فمن يتحمل المسؤولية إذا نتج عن اختفائها حادث أو ضرر جسيم؟

قد يقول البعض – متغافلًا – إن شركات التأمين ستعوض المتضررين. نعم، ربما تفعل، وربما لا، فلكل شركة شروطها وأنظمتها، وإذا لم تتوافق الحوادث مع سياساتها التأمينية فلن تتحمل المسؤولية. وهناك الكثير من القضايا التي امتلأت بها أوراق المحاكم.

لكن أليس من الأولى أن نتجنب هذه الخسائر منذ البداية بإعادة طلاء الخطوط والعلامات الأرضية بانتظام؟

الجميع يعلم أن اختفاء هذه العلامات يؤدي غالبًا إلى مضاعفة المخاطر، والأسوأ أنه يجعل تحديد المتسبب في الحادث أمرًا صعبًا، فيتنصل الجميع من المسؤولية، مما يفاقم المشكلة ويجعل القضاء هو الفيصل في النهاية. وهنا تتضح الحقيقة: أن هذه الخطوط ليست مجرد طلاء على الطريق، بل هي شريان الأمان الذي يربط السائق بالطريق.

نحتاج اليوم إلى أن نعيد النظر في هذه التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق الكبير. من الضروري أن تتوحد جهود الجهات المعنية لوضع خطة دورية ومستمرة لإعادة طلاء الخطوط والعلامات الأرضية ومتابعتها قبل أن تختفي تمامًا.

فحين تعود هذه العلامات إلى مكانها، تستعيد الشوارع جمالها ونظامها، ويعود معها الاطمئنان إلى السائقين والمارة، وتُسهّل كذلك عملية التحقيق في الحوادث إن وقعت.

إن إدراك أهمية هذه العلامات هو بداية طريق الأمان، فوضوح الطريق يعني وضوح الأمان. أما إن استمر الإهمال، فستتحول الطرق إلى مجازفة خطيرة للسائقين والمارة على حد سواء.

المسؤولية لا تقتصر على تعبيد الطرق، بل تمتد إلى إكمال صورتها الآمنة التي تبدأ من أول لوحة وتنتهي عند آخر خطٍّ مرسوم.

فمتى سنرى شوارعنا جميعًا زاهية بخطوطها وعلاماتها الأرضية البارزة وقد عادت إلى مكانها ووضعها الطبيعي؟
إن وضوح علامات الطريق يعني وجود الأمان والاطمئنان.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights