الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

مجالس تُناقش .. وقوانين تُقرّ من دونها

 م. أحمد الفقيه العجيلي

نشر الكاتب الأستاذ سعيد بن مسعود المعشني على صفحته في “فيسبوك” مقالًا تحليليًا لافتًا، أثار فيه تساؤلات جوهرية عن الدور الحقيقي الذي تؤديه المجالس التشريعية في سلطنة عُمان، بعد صدور قانون ضريبة الدخل على الأفراد بصيغة نهائية بدت – بحسب ما أشار إليه – بعيدة عن المشروع الحكومي، وغير معبرة عن التعديلات والمداولات التي جرت داخل مجلسي الشورى والدولة، بل حتى داخل مجلس عمان…

طرحٌ كهذا يفتح الباب أمام تساؤل أوسع: ما الدور الحقيقي الذي تؤديه المجالس التشريعية في السلطنة؟

وهل باتت هذه المجالس تمثّل طموح المواطنين، أم أنها تصطدم بواقع مؤسسي يقيّد صلاحياتها ويقلّص تأثيرها؟

مؤسسات قائمة… ودور يتراجع

لا يمكن إنكار ما تحقق من تراكم إيجابي في تجربة العمل البرلماني العُماني خلال العقود الأخيرة، إلا أن التجربة اليوم تواجه تحديًا جادًا يتعلق بفعالية التأثير التشريعي.

فالبيانات التي أوردها الكاتب تشير إلى أن ما يُؤخذ فعليًا من تعديلات مجلسي الشورى والدولة في مشروعات القوانين لا يتجاوز 5%، وهي نسبة لا تليق بمؤسسات يُفترض أن تمارس دورها في التشريع والرقابة على نحو مؤثر.

إن المسألة هنا لا تتعلق فقط بمحتوى قانون معين، بل بآلية صناعة القرار، ومدى احترام التوازن بين السلطات، ومكانة المؤسسات المنتخبة والمعينة في بناء السياسات العامة.

إصلاحات ممكنة… لا بدائل حدية

في خضم هذا النقاش، قد يلوح في الأفق طرح حاد يقول: “إما أن تُفعل المجالس أو تُحل”. لكنّ واقعًا أكثر نضجًا يدفع نحو الإصلاح لا الإلغاء.

فالخيارات المتاحة لتفعيل الدور التشريعي كثيرة، ومنها:

● مراجعة قانون مجلس عمان بما يُعزز صلاحيات المجالس ويوضح آليات حسم الخلافات التشريعية.

● تطوير العلاقة بين المجالس والجهات التنفيذية على أسس مؤسسية، لا بروتوكولية.

● إرساء تقاليد تشريعية تُلزم باحترام التوافقات البرلمانية ومداولات اللجان.

● تحسين العملية الانتخابية بما يضمن مشاركة أوسع وتمثيلًا أكثر نوعية.

● بناء ثقافة رقابية مسؤولة تستند إلى أدوات واقعية للمساءلة، لا مجرد التوصيات.

ونتيجة تراكم هذا الإقصاء المتكرر لدور المجالس، خاصة مجلس الشورى، أصبحت المشاركة المجتمعية في الانتخابات باهتة ومحدودة.

فمع غياب التأثير الفعلي للمجلس، لم يعد المواطن يشعر بأن لصوته وزنًا في صناعة القرار، ما انعكس سلبًا على الحماس الشعبي تجاه العملية الانتخابية.

ولهذا، فإن تعزيز ثقة الناس يبدأ من منح المجلس صلاحيات رقابية ومسؤوليات مساءلة حقيقية، تتيح له أداء دوره بشفافية وفعالية.

بهذه الخطوات، يمكن تقليص الفجوة بين الطموح والواقع، وتحقيق المشاركة التشريعية الفعلية التي تتطلع إليها الدولة والمجتمع.

قانون الضريبة: أرقام تطرح تساؤلات

يشير المقال إلى معلومة صادرة من “التواصل الحكومي” بأن 1% فقط من سكان السلطنة مشمولون بالقانون الجديد.

وهذا الرقم لا يعكس بالضرورة عدالة اجتماعية، بل قد يُفسَّر كإشارة على محدودية القاعدة الاقتصادية المنتجة.

ففي الوقت الذي تسعى فيه السلطنة إلى تنويع مصادر الدخل وجذب الاستثمارات، تكشف الأرقام أن شريحة صغيرة فقط من السكان هي القادرة على دفع ضريبة الدخل، وهو ما لا يُعد مؤشرًا مطمئنًا.

بل يعكس هذا الواقع تحديًا أكبر يتعلق بضيق القاعدة الاقتصادية المنتجة، وضعف تمكين الطبقة المتوسطة التي تُعد المحرك الرئيسي لأي اقتصاد مستدام.

دعوة إلى التقييم والتفعيل

إن تسليط الضوء على هذه الفجوات لا يعني التشكيك في المؤسسات، بل هو دعوة إلى إعادة تقييم أدائها وتفعيل أدواتها.

فالمؤسسات التشريعية هي ركن أساسي في هيكل الدولة، وأي مساس بدورها يُضعف مناعة النظام المؤسسي ككل.

خاتمة ..

في نهاية المطاف، لا يُقاس أداء المجالس بعدد الجلسات أو التصريحات، بل بوزنها في تعديل مسارات القوانين وصياغة سياسات تعبّر عن نبض المجتمع.

إن التشريع ليس طقسًا بروتوكوليًا، بل أداة لتوازن السلطات، وصوتٌ يُفترض أن يعكس إرادة الناس.

وإذا كانت المجالس تُناقش… فمن المسؤول عن القوانين التي تُقرّ دون صوتها؟

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights