الجمعة: 13 مارس 2026م - العدد رقم 2853
مقالات صحفية

إرضاء الجميع طريق لا نهاية له

 صالح بن سعيد الحمداني

في مسرح الحياة ستجد نفسك يومًا محاطًا بآراء لا تُحصى ورغبات لا تنتهي ونصائح متناقضة من كل اتجاه وسيطالبك البعض بأن تكون كما يريدون لا كما تريد أنت وسيحاول آخرون رسم مسار حياتك بألوانهم هم لا بألوانك أنت، وهنا يقع الكثير في الفخّ “فخّ محاولة إرضاء الجميع”، لكن الحقيقة التي يدركها الناضجون مع الوقت هي أن إرضاء الناس جميعًا هدف مستحيل ومطاردة وهمٍ لا طائل من ورائه لأنك مهما فعلت ستجد من يرضى ومن يغضب ومن يشكرك ومن يلومك ومن يمدحك اليوم ويعاتبك غدًا، لذلك الحكمة تقتضي ألا تُجبر نفسك على مراضاة الجميع بل أن تفعل ما تراه صحيحًا وحتى لو لم يوافق رغبات الآخرين فإرضاء الضمير أهم ألف مرة من إرضاء أفواه لا تتوقف عن المطالبة والانتقاد.

لماذا لا يمكننا إرضاء الجميع؟ سؤال جميل أسأله دائمًا لنفسي التي تكون إجابته الطويلة فالناس مختلفون بطبائعهم وتوقعاتهم فما يرضي شخصًا قد يغضب آخر وما يراه البعض صوابًا قد يراه غيرهم خطأ وإذا حاولت أن تعيش وفقًا لرغبات الجميع ستكتشف سريعًا أنك تمزّق نفسك إلى أجزاء صغيرة في سبيل إرضاء قلوب لا تجتمع أبدًا على رأي واحد والأخطر من ذلك أن محاولة إرضاء الجميع تُفقدك ذاتك، لأنك ستعيش حياتك وفقًا لما يريدونه هم، لا وفقًا لقيمك وقناعاتك وعندها تصبح مثل ممثلٍ يغيّر أدواره باستمرار ليرضي الجمهور لكنه في النهاية ينسى من يكون حقًا، فالوقت أثمن من أن نضيّعه في إرضاء الناس فحين قالوا “العمر قصير” لم يقصدوا فقط أننا يجب أن نعيش لحظات الفرح ولكن أيضًا أننا لا نملك ترف إهدار وقتنا في علاقات مُرهقة وجهود عقيمة لإرضاء من لا يُرضيهم شيء.

الحياة أقصر من أن نقضيها في تربية من يرفضون النضج وفي محاولة شرح أبسط البديهيات لمن لا يريد أن يفهم الناضجون يعرفون أن الخلاف في الرأي لا يُفسد الودّ وبينما غير الناضجين يريدونك نسخة مكررة من أفكارهم وإلا انقلبوا عليك لهذا الحكمة هي أن تمنح وقتك ومشاعرك لمن يستحقونها حقًا لا لمن يريدونك أن تضيّع عمرك في محاولات لا نهاية لها لإرضاء نزواتهم ومزاجهم المتقلب.

قيل قديمًا “الصديق مرآة صديقه” لكن يمكننا أيضًا أن نقول إن الصديق يشبه المصعد إمّا يأخذك إلى الأعلى نحو طموحاتك وأحلامك ونسختك الأفضل وإما يسحبك إلى الأسفل نحو الإحباط والاستنزاف والمشاكل التي لا تنتهي فالأصدقاء الذين يرفعونك إلى الأعلى هم الذين يمنحونك طاقة إيجابية يشجعونك حين تتعثر ويدفعونك نحو النموّ والتقدم، وأما من يسحبونك إلى الأسفل فهم الذين يُثقلون حياتك بالمشاكل والدراما والنقد المستمر حتى يصبح وجودهم عبئًا لا يُحتمل ولهذا احذر أي مصعد تختار لأن اختيار الأصدقاء ليس تفصيلًا صغيرًا في حياتك بل قرار يغيّر مسارها بالكامل، فكن صادقًا مع نفسك أولًا فالصدق مع النفس يعني أن تعيش وفقًا لقيمك أنت لا وفقًا لما يريده الآخرون منك وأن تختار طريقك بوعي حتى لو كان مخالفًا لتوقعاتهم لأنك أنت من ستعيش نتائج قراراتك لا هم فما دمت ترى أن على الدرب والنهج الصحيح فلا تتردد.

الإنسان الناضج يعرف أن رضا الناس غاية لا تُدرك لكن رضا الضمير غاية لا يجوز التفريط فيها وحين تختار ما يمليه عليك عقلك وقلبك معًا ستجد أنك أكثر راحة حتى لو خالفت رغبات من حولك، وفي ختام موضوعي أقول لا تجبر نفسك على مراضاة الجميع لأنك ستكتشف سريعًا أن هذا الطريق لا نهاية له وإرضهم فقط بما تراه أنت صحيحًا وما يوافق قيمك ومبادئك وابتعد عن كل من يسحبك إلى الأسفل مثل المصاعد العاطلة التي لا توصلك إلا إلى الطوابق المظلمة.

الحياة قصيرة ووقتك أثمن من أن تهدره في علاقات مرهقة أو محاولات مستحيلة لإرضاء من لا يرضيهم شيء اختر طريقك وكن صادقًا مع نفسك وانتقِ أصدقاءك كما تنتقي المصاعد الآمنة التي توصلك إلى حيث تريد لا إلى حيث يريد الآخرون والمهم أسلك الطريق الصحيح الذي يوصلك لمستقبلك وإمضي.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights