الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

(نقطة أول السطر) في حضن الغياب.. وجعُ من نحِبُّ إذا غضب!

   عادل بن حميد الجامعي

ثمّة لحظات لا تنفع فيها الكلمات كثيرًا، ولا تُجدي فيها كثرة الشروحات،
لحظات ينكمش فيها القلب على نفسه كمن أصابته نسمةٌ باردة من جهة الروح،
فتضيق عليه الأرض، وإن كانت واسعة، وتختنق الدقائق، وإن كانت ساكنة.
وهكذا أنا الآن..

أكتب من موضع الانكسار لا التبرير، ومن حضن الشوق لا من منبر الوعظ.
أكتب لأنني أخطأت..
وما أصعب أن يزعل عليك من تُحب.. من تعرف صدقه، ونبله، وعلو خُلُقه..
تلك النفوس الكبيرة حين تعبس، يُظلم العالم من حولك.. وحين تُعرض عنك، يُصبح الضوء باهتًا في عينيك..

وكم هو مؤلم حين تعلم أن الخطأ منك، وأنك -دون أن تدري- قد غرست في قلب من تحب شوكةً لا تليق بك،
ولا تليق به.. يا رب، ما كنتُ أعلم أنني أجرح، ولا قصدتُ أن أؤلم، لكني كنت مشتتًا، مرهقَ الوجدان، تائها في زحمة التعب والنية الطيبة..
من الذي لم يُخطئ وهو يظن أنه يُحسن؟
من الذي لم يتكلم بكلمة عابرة، أو يكتب عبارة باهتة في لحظة اشتغال،
ثم إذا به يكتشف بعد فوات الأوان أن تلك الكلمة كانت سيفًا، وأن تلك العبارة كانت سهمًا؟!

يا صاحبي، يا من أحببتك لله وفي الله، واللهِ ما علمت فيك إلا الطيب، وما قصدت فيك إلا الخير..
لكن ربما.. وربما هذه المرة، كان الظن لا يكفي، وكان الأدب مني ناقصًا، والتعليق في غير موضعه،
والسكوت أولى، لكنني لم أسكت..

أعلم -وأنت الحليم الذي طالما فتح لي باب التطوير والتقويم-
أنك كنت تحتويني، وتمسح على رأسي ولو بكلمة، تدلّني على مكامن النقص،
وتشير إلى مواطن الإضافة، ولم تغلق يومًا بابك عنّي، حتى حين أُرهقتَ من كثرة محاولاتي،
كنت تُنصت، وتُصغي، وتُربّت على كتف التعب.. ولكن يبدو أن الكأس قد امتلأت هذه المرة،
وأنني -دون أن أدري- كنت أزيد في سكب ما لا يحتمل..

الظلم لا يكون فقط بسلب الحقوق، بل أحيانًا يكون بتعبيرٍ في غير محلّه،
أو بتوقيت غير مناسب، أو بفهم خاطئ…
وأنا أعترف -وأعوذ بالله من الظلم والظلمات- أنني ربما كنت ظالمًا في جهلي،
وفي عجالتي، وفي ظني أن صداقتنا وصحبتنا تُجيز لي كل شيء.. كأنني نسيت أن للقلوب حرمة،
وأن لحضورك في حياتي وزنًا، وأنك حين تغضب، تهتز أرضي.. وحين تصمت، تصير الجدران حولي غريبة.

ويا له من شعور ثقيل أن تغضب أنت، أن تتألم أنت، أن تُعرض عني بوجهك الطيّب، ويدك التي طالما امتدت بالعون..
ويحي كأن الله أخذ منّي دفئه حين غضبتَ، وألبسني شتاءً داخليًا لا يطاق..

يا من ترجو منه النفس مغفرة، يا من تُحسن الظن، وتعرف من أنا حين أكون في أضعف حالاتي..
إني أعلم أني لا أستحق، لكنني أرجو.. أرجو من سَعة قلبك عفوًا، ومن نُبلك مخرجًا، ومن صفاء نيتك بقاءً على الودّ،
حتى وإن قصرتُ، حتى وإن بدا لك أنني تجاوزت..

نعم.. قد أكون قصرت، وقد أكون تماديت،
لكني-واللهِ الذي لا إله إلا هو-ما كان ذلك عن سوء نية، ولا تعالٍ،
ولا إساءة، بل عن غفلة المحبّ، وغشاوة الإرهاق، وذُبول الحروف في وقتٍ كانت فيه المشاعر مشتتة..

أكتب الآن وصوت الحديث في أذني: “وخيرهما الذي يبدأ بالسلام”
وما كنتُ خيرًا منك قط، وما كنتُ أسرع إلى السلام، لكنني اليوم أُقرّ بتقصيري،
وأرجو أن تبدأ، كما عهدتك، وأن تُحيي في القلب ما قد مات فيّ من الأمن والسكينة.

ما أقسى شعور من يُحبّ فيخسر لحظة الصفاء..
وما أقسى أن تقول في سرك كل لحظة:
“ليتني لم أتكلم.. ليتني شرحت له أكثر.. ليتني التمست له العذر كما التمسه لي دائمًا…”

يا صاحبي، يا من غِبْتَ عني وأنت في قلبي، ألا تراني الآن أكثر احتياجًا إليك؟
ألا ترى أنني أُكابدُ الندم والدمع؟ وأن صوتك لو عاد إليّ بكلمة، لكان بلسمًا لهذا الصدر المكلوم؟

والله ما أنا إلا عبد فقير، وما أردت يومًا أن أكون حجرًا في طريق من أحببت، ولا جرحًا في صدر من أخلصت له.
لكنها الدنيا.. تُبعدنا في غفلة، وتُبعدنا في كِبر أنفسنا، وفي ظننا أن المودّة لا تُكسر، وأن الحب لا يتأثر..
حتى نفيق بعد الفقد على مرارة الزلل..

وأيمُ الله…
لئن عدتَ، وبدأتَ، وعفوتَ، فإني لأحفظ الودّ لك،
وأُقبّل خطاك قبل سلامك، وأعدك أن أحيا على رعايته.

وإن بقيتَ غاضبًا، فادعُ لي أن يُبدلني الله خُلقًا أحسن،
وأن لا أكون فتنةً لمن أحب، ولا ثقلًا على صدور الأنقياء..أيها النبيل،
أيها الذي ما ذكرتك إلا دعوت لك بظهر الغيب،
عُد.. وكن خيرنا الذي يبدأ بالسلام، فلا نجاتي إلا في ظل ودّك،
ولا سلامة لي إلا بعين عفوك، ولا عذر عندي.. إلا قلبي، وقد بكى.الفقير إلى ربه .

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights