أشتاق لحضن أمي…
إلهام السيابية
اخفت أحلام وجهها بين يديها ، وضمت رجليها لصدرها ضما شديداً وهي تبكي بحرقة شديدة ..لم تستطع أن تخفي حزنها العميق وهي تتأمل وجوه اخوتها الحزينة حولها، بينما وقف أخوها الذي يكبرها بسنتين بجانب الباب يقظم أظافره ، وإحدى اخواتها وضعت يديها على أذنيها محاولة عدم سماع صوت والدهم، الذي كان يصرخ مهدداً ومتوعداً ومزمجراً كالأسد الهائج، وصوت أمهم الضعيف راجية أن يتركهم لها لتعيش بينهم، ولكنه رفض رفضاً قاطعاً، حالفاً ومتوعداً بإنها لن تراهم مرة أخرى ….لن أتركهم لك، وإذا أردتي الطلاق فتنازلي عنهم …هذا شرطي الوحيد للطلاق؟؟
ساد صمت مخيف وتبعه صوت أمها قائلة : حرام عليك ..
أتريدني أن أترك أبنائي؟؟ انا من حملتهم وسهرت لأجلهم وشقيت في تربيتهم ..
قطع كلامها بصراخ : اعرف من أنتِ..فكري في الأمر..وردي علي ، الطلاق مقابل الأولاد !!جن جنونها …ماذا تفعل ؟؟ أأقبل بشروطه؟ ام أعيش معه مرغمة؟؟؟فكرت كثيراً وقررت أن تقبل بشرطه، لأنه في النهاية لن يستطيع أن يتحملهم، وبالتأكيد سيرغب في الزواج من أخرى، وسيعيدهم لها لإن زوجته الجديدة لن تقبل بالعيش مع أبنائه وخاصة اذا كانوا ستة أطفال ..فوافقت على شرطه المخادع ..لم تكن تعلم أن مجرد جملة ((أمكم تنازلت عنكم )) كانت تقتل نفوس أطفالها الصغار .
تأملت أحلام أبنائها من حولها يبكون ، وكأن الزمن يعيد نفسه ، لقد صادفت نفس موقف امها ، هل ستترك أولادها مثلما تركتهم امهم؟ لقد نذرت ألا تكون مثلها مهما حدث ..فقد تحملت مسؤولية إخوتها منذ إن كانت في عمر التاسعة من عمرها ، لم تذق طعم الطفولة، بل ذاقت الذل والهوان بعد أن تم الطلاق ، تركهم أبوهم في بيت جدتهم التي حملتهم سبب الطلاق ، وكانت دائما تردد عليهم ان أمهم إنسانة مستهترة ولا ترغب في تحمل مسؤولية أبنائها…عاشوا في كنف جدتهم ، لا يستطيعون رفع رؤوسهم أمام أبناء عماتهم وأعمامهم ، فأخذوا يعيرونهم بأن امهم تركتهم لتتزوج برجل آخر …ولكنها لم تتزوج بل كانت تحاول إن تعيدهم إليها، المحكمة كانت دائما ترجعهم لبيت جدهم وجدتهم لإن الأم غير متفرغة لهم ، بسبب إنشغالها بالعمل في شركة خاصة ولا تعود إلا بعد الساعة الخامسة مساءً في كل يوم ، فمن يتولى أمرهم طوال ذلك الوقت …كانت تنتظرهم نهاية كل أسبوع لتتلقاهم بلهفة، ولكن والدهم كان يغير البرنامج ويأخذهم للمزرعة مع أهله او لأي حديقة عامة او للمراكز التجارية نكايه فيها ، ويغلق هاتفه فينتابها الخوف و القلق عليهم، يحضرهم لها قبل إنقضاء اليوم، وهم في شدة التعب والإعياء، لا يستطيعون مجالستها او السهر معها، وفي اليوم التالي يأتي ليأخذهم إلى منزله، واذا تحدثت معه حول الموضوع يهددها بعدم إحضارهم لها الأسبوع القادم فيقول لها : أنتِ تنازلتي عنهم وليس لك الحق فيهم …اجل تنازلت ولكنها لم تكن تهدف لأن تتركهم له طول العمر ، فمصيرهم سيعودون لها حتى الصغار منهم ذوي السنتين والثلاث سنين، عندما طالبت بهم كان جواب زوجها :إن البيئة التي تعيشين فيها غير مناسبة لأطفالي..المنطقة التي تسكن فيها أمهم في بيت أبيها، مشبوهة بكثرة تعاطي الشباب فيها للمخدرات و الخمور …فحكم القاضي لصالح الاب بالحضانة للعيش في حضن جدتهم .. تنهدت أحلام وأمها تضمها هي وأخوتها من حولها وتقول لوالدهم :
إذا أردت الطلاق فأفعل ولكني لن أترك أبنائي…مهما حدث .. إن كنت تحبني ، واعمتك غيرتك عن رؤية الحقيقة ، فهذا الأمر لا يعنيني… من تدعي بأنه صاحبك هو من أراد لأهلك السوء، ولكني حافظت على بيتي وسمعتي لأني كنت زوجتك ولكن إن كنت ستترك الحساد ينخرون في نفسك وبيتك وأنت تستمع لهم ولا تستمع لزوجتك ، فلن أدافع عن نفسي ، فحسبي إن الله شاهدي وإني حافظت على سمعتك و بيتك في وجودك وغيابك…ولكنك تركت نفسك للآخرين الذين رفضت حتى النظر لهم بنظرة عين…إفعل ما شئت ..فحسبي الله الذي لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم….كم كانت كلماتها قوية واثقة من نفسها فأحست بابنائها حولها والكل يضمها مسانداً بعزة نفس وشموخ وكبرياء فمن كان مع الله ، كان الله معه …نظر إليها زوجها وكأنه يراها لأول مرة بهذه القوة ، وخرج تاركا زوجته يهيم على وجهه لا يعرف صديقه من عدوه …
قد ذاقت طعم أثر الطلاق ولن تذيقه لأبنائها مهما حدث…هي تعرف ان زوجها يحبها بل يعشقها ولكن هذا الأمر لا يعجب أصحابه و صاحباته قبل الزواج، فكانوا يحاولون افتعال المشاكل باي طريقة للحصول على ورقة طلاقها ، ليستطيع ان يعود إليهم من جديد ، تحملت ضربه وسبه لها ، صبرت على فسقه ومعاقرته للخمر ولكن أن يشك في شرفها ..مما جعل الكل يتغامزون ويتلامزون عليها بأقبح الصفات مما أساء لأولادها …أمسكت بيده قبل أن يخرج قائلة : اذا أردت الطلاق فأفعل ، أما أبنائي فلن أتركهم مهما حصل ..
جلس بدر مع أصحابه يفكر في حديث زوجته ، منشغل البال ، احضر له صاحبه المخمور كأساً من الخمر وهو يقول له: أما زلت تفكر بزوجتك …طلقها وسأتزوجها أنا واذلها لك .
هنا نظر بدر لكل من حوله، وكأن الله أنار بصيرته وبصره، بعد أن كان مغمض العينين ، وصوت زوجته يتردد في أذنه، فقال بإستغراب ؟؟
تتزوجها أنت ؟؟
من أجلي فقط ..
من أجلي أم من أجل نفسك ؟؟
أيها الحقير …لقد صورتها في عيني شيطانة… لم يكن الشيطان يتلبسها بل أنت الشيطان، وانا الجاهل الذي تبعك مغمض العينين . ..صدقتك…. ووثقت فيك فخنت ثقتي …أي ثقة أنتظرها منك ، شخصاً مثلك لعوب غيور…حاقد …وانا الذي كنت سأطلقها…أتعرف ما معنى الطلاق ؟؟ ان أخسر كل من أحب ، فالحمد لله الذي هداني للحق لكي لا أظلم زوجتي وأولادي فاندم طوال حياتي …فأخذ كأس الخمر وكسرها وهو يقول : لن أعود للخمر، وهذا اخر عهدي بك، فلا أريد ان أراك في حياتي لا أنت ولاصحبتك …
وخرج متوجها لبيته وزوجته الحبيبة وأبنائه الذين ظلمهم معه، وعاهد نفسه بأن يتعلم ان يكون أبا من جديد ليحتضنهم ويوجههم و يكون لهم سنداً وعوناً لعثرات الزمان.



