السبت: 14 مارس 2026م - العدد رقم 2854
مقالات صحفية

زيف المثالية.. بين الادعاء والواقع

د. حمده حسن
دكتوراه الفلسفة في الصحة النفسية والتربية الخاصة

في زمن امتلأت فيه الشاشات والصفحات بخطابات الفضيلة، يطل علينا بعض الأشخاص كأنهم أوصياء على الحق وملاك الحقيقة المطلقة. يرفعون شعارات النزاهة والعدل، ويتحدثون بلسان المثالية، لكن أفعالهم تكشف ما هو أعمق من الكلمات: ازدواجية صارخة وانقياد أعمى وراء الأهواء.

هؤلاء لا ينطلقون من ثبات المبدأ، بل من تقلب المزاج. فإذا كانوا على وفاق معك؛ صار الحق إلى جانبك، وإذا اختلفوا معك؛ انقلبت المعايير وصار الباطل حقًا. يعرفون الحقيقة جيدًا، لكنهم يتعمدون إنكارها لمجرد خلاف شخصي أو حسابات ضيقة، وكأن القيم تُباع وتُشترى في سوق المصالح.

المثالية التي يدّعونها تتحول إلى قناع اجتماعي براق؛ يخفون خلفه تناقضاتهم ويبررون به انحرافاتهم. يلوّحون بالحق ليصيبوا به من يخاصمون، ويغضّون الطرف عن ذات الحق حين يطالهم أو يمسّ مصالحهم. إنها المثالية الزائفة التي سرعان ما يفضحها الواقع وتسقط أمام أول اختبار حقيقي.

الحق كما علّمنا الكبار، لا يُقاس بالوجوه ولا يُختزل في الأشخاص. الحق ثابت، لا يتلون، ولا يخضع للأهواء. أما الذين يربطون الحق بمزاجهم؛ فهم أبعد الناس عن المثالية، وأقرب الناس إلى النفاق الاجتماعي.

والنتيجة دائمًا واحدة سقوط في هاوية فقدان المصداقية، وتآكل الثقة التي هي رأس المال الحقيقي لأي إنسان في المجتمع. فالمثالية لا تُقاس بالشعارات الرنانة ولا بالخطابات المؤثرة؛ بل بالقدرة على الثبات على المبدأ في حال الاتفاق والخلاف معًا.

وفي النهاية، لعل السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: إلى متى سيبقى بعضهم يختبئ خلف قناع المثالية الكاذبة، بينما تكشفه أفعاله قبل أقواله؟

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights