الأشخاص ذوي الإعاقة (الصارخون في صمت الحياة والضمير العالمي على المحك)
يعقوب بن راشد بن سالم السعدي
في كل شارع ومدينة، في كل قارة ودولة، يعيش بيننا أشخاص قد لا يراهم العالم كما ينبغي أن يُرى الإنسان. هم ليسوا غرباء ولا أقل شأناً، بل أصحاب إرادة يكسرون صمت الإهمال ببطء، ويكتبون بصبرهم حكايات لم تصل بعد إلى صدارة العناوين. إنهم الأشخاص ذوو الإعاقة، الفئة التي تتجاوز أعدادها مليار إنسان حول العالم، أي ما يقارب 15% من سكان الأرض بحسب تقارير الأمم المتحدة. ورغم هذا الحضور الكثيف، فإنهم الأكثر تهميشاً في مجالات التعليم والعمل والخدمات الصحية والاجتماعية.
الأرقام وحدها كافية لقرع ناقوس الخطر؛ تشير الدراسات إلى أن 80% من الأشخاص ذوي الإعاقة يعيشون في الدول النامية، حيث تزداد معاناتهم مع الفقر وغياب الخدمات الأساسية. فإن احتمالية بطالة الأشخاص ذوي الإعاقة تبلغ ضعف مثيلتها لدى الأسوياء، أما في مجال التعليم فإن ملايين الأطفال المعاقين يُحرمون من مقاعد الدراسة بسبب غياب البنية التحتية أو نقص الكوادر المتخصصة. هذه ليست مجرد أرقام، بل هي أرواح محاصرة خلف جدران العجز المجتمعي لا العجز الجسدي.
العالم لم يقف مكتوف اليدين تماماً؛ فقد أصدرت الأمم المتحدة عام 2006 اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي وقعت عليها غالبية دول العالم، متعهدة بتوفير التعليم الشامل والرعاية الصحية وضمان فرص العمل وإزالة الحواجز المادية والاجتماعية التي تمنع الاندماج بالمجتمعات والأفراد. لكن الواقع يقول إن المسافة بين الورق والحياة شاسعة؛ فما زالت كثير من المدن بلا طرق مهيأة للكراسي المتحركة، وما زالت الوظائف تغلق أبوابها أمام هذه الفئة، وكأن القانون ينام في الأدراج.
غير أن القصة ليست كلها وجعاً؛ ففي كل مكان هناك نماذج مضيئة تُثبت أن الإعاقة ليست نهاية الطريق: رياضيون حققوا بطولات عالمية، علماء كسروا قيود الجسد وأطلقوا عبقرية العقل، فنانون جعلوا من الألم لوحة أمل، وأُدباء حاكوا من خيوط أقلامهم روايات وقصصاً ومقالات روت عطش النهم في إبداع الكتابة. هؤلاء يصرخون برسالة واحدة: أعطونا الفرصة لا الشفقة.
إن القضية اليوم لم تعد قضية مساعدة إنسانية فحسب، بل قضية عدالة اجتماعية وحق أصيل في الكرامة والمشاركة. وعلى الدول أن تتجاوز مرحلة الوعود إلى مرحلة السياسات العملية: مدارس مهيأة ومجهزة، إعلام يغير الصور النمطية، فرص عمل عادلة، وخدمات صحية تراعي خصوصية هذه الفئة.
إن العالم الذي يتحدث كثيراً عن حقوق الإنسان لا يمكن أن يشار له بأنه عالم متقدم ومتحضر إذا استمر في تجاهل مليار إنسان من الأشخاص ذوي الإعاقة. آن الأوان أن ندرك أن قوة المجتمعات تُقاس بقدرتها على احتضان أضعف أفرادها، وأن إنصاف المعاقين ليس صدقة ولا منة، بل هو حق مشروع وواجب على الجميع.
لكن الغياب الأكبر والأكثر إيلاماً يظهر في الجانب الصحي والخدمات المقدمة، فكثير من الأشخاص ذوي الإعاقة حول العالم يُتركون في منازلهم بلا رعاية طبية منتظمة، ولا أدوات مساعدة أساسية كالكراسي المتحركة أو الأطراف الصناعية، وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من نصف الأشخاص ذوي الإعاقة لا يحصلون على الرعاية الصحية التي يحتاجونها، وأن تكلفة العلاج أو إعادة التأهيل غالباً ما تفوق إمكانياتهم المادية.
ولا يقتصر الأمر على العلاج الطبي، بل يمتد إلى إعادة التأهيل والتطوير البدني والحركي. ففي كثير من الدول يغيب الاستثمار في مراكز متخصصة يمكن أن تُمكّن الأشخاص ذوي الإعاقة من استعادة قدراتهم أو تطوير مهارات جديدة تساعدهم على خدمة أوطانهم والمشاركة في بناء مجتمعاتهم، بل يحسون بأنهم أناس مرغوب فيهم ولهم شأن مثل غيرهم من الأسوياء. وهنا يُطرح السؤال: كيف يمكن لدولة أن تتحدث عن التنمية المستدامة بينما تُقصي جزءاً كبيراً من مواطنيها من أبسط مقومات العيش بكرامة؟!
الأكثر قسوة أن بعض الحكومات ما زالت ترى الأشخاص ذوي الإعاقة عبئاً على الدولة لا طاقةً كامنة، فيُترك كثيرون حبيسي جدران منازلهم بلا تعليم ولا علاج في دوامة عزلة نفسية واجتماعية. هؤلاء ليسوا قليلي الحيلة، بل أبطال صامتون يُحرمون من حقهم في أن يكونوا قوة عاملة ومبدعة، لأن الدولة لم تمنحهم الأدوات التي يستحقونها.
وعندما نتحدث عن الإعاقة السمعية، فإن الصورة تكشف تبايناً صارخاً بين الدول المتقدمة والدول النامية. ففي بعض الدول العالمية الأولى جرى دمج لغة الإشارة في التعليم والإعلام، وأُنشئت منصات تكنولوجية تتيح لضعاف السمع والصم التواصل بسهولة مع أقرانهم، بل حتى مع مؤسسات الدولة. في المقابل نجد أن ملايين الصم في الدول النامية ما زالوا يُعاملون كغرباء في أوطانهم: فلا مترجمين للغة الإشارة في المحاكم والمستشفيات، ولا محتوى إعلامي مهيأ لهم، ولا مدارس مجهزة لتعليمهم. وهنا أقول “البعض” ولا أُعمم على جميع الدول. إن الفجوة هنا ليست تقنية فقط بل حضارية وأخلاقية، فالمجتمع الذي لا يوفر لأفراده وسيلة للتفاهم والتواصل يحكم عليهم بالانعزال الأبدي. بينما الحقيقة أن الإعاقة السمعية لا تمنع الفكر والإبداع، بل على العكس كم من علماء وفنانين من الصم غيروا وجه الإنسانية حين وجدوا الدعم اللازم.
إن الحل يكمن في الاعتراف الصادق بأن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا أرقاماً في إحصاءات، بل شركاء أصيلون في التنمية. توفير الخدمات الصحية والتعليم أساسي للجميع، وبرامج إعادة التأهيل ووسائل التواصل العصرية ليست ترفاً بل واجباً وطنياً وأخلاقياً. فالأمم التي تسعى للنهضة لا تستطيع أن تنهض وجزء كبير من شعبها مقيد في الظل.
الأشخاص ذوو الإعاقة في سلطنة عمان صوت يطالب بالكرامة وواقع يرهقهم. اسم برز في الساحة العمانية منذ سنوات وأسس بمجهوده الخاص ومن معه الجمعية العمانية للأشخاص ذوي الإعاقة، إنه الراحل المغفور له بإذن الله تعالى مختار الرواحي، رئيس الجمعية الأسبق. في بلد أولى اهتماماً كبيراً بالإنسان كقيمة عليا، يظل ملف الأشخاص ذوي الإعاقة في سلطنة عمان مفتوحاً على تساؤلات ملحّة تتعلق بالمعيشة والكرامة. وفي قلب هذا الملف يذكر اسم المرحوم مختار الرواحي، الذي تحول من مجرد فرد يواجه التحديات اليومية على كرسيه المتحرك إلى صوت جماعي يصر على أن ينقل معاناة الآلاف إلى الجهات المعنية. الرواحي نفسه لم تمنعه الإعاقة من مواصلة طريقه، بل جعل منها دافعاً ليكون للأشخاص ذوي الإعاقة في عمان منصة تعبير ومظلة قانونية وإنسانية. ومع ذلك، فإن ما يواجهه المعاق العماني اليوم يتجاوز حدود الجهود الفردية ويتطلب تحركاً مؤسسياً شاملاً.
وكوني كنت من المتطوعين في الجمعية العمانية للأشخاص ذوي الإعاقة، وقد تزامن وجودي بها في فترة رئاسة المرحوم مختار الرواحي، فإن في تصريحاته المتكررة في تلك الفترة لم يطالب فيها بالرفاهية، بل بحقوق أساسية مثل إيجاد الراتب الشهري بما يغطي الاحتياجات الفعلية، تخصيص دعم مباشر للفوط الصحية والمستلزمات الطبية، توفير ميزانية للمعاونين الشخصيين للأشخاص ذوي الإعاقة الشديدة، دعم حكومي لوسائل النقل المجهزة للمصابين، وورش لصيانة وإصلاح الأجهزة. هذه المطالب لا تحمل طابعاً شخصياً، بل هي صرخة من آلاف الأسر العمانية التي تجد نفسها عاجزة عن تلبية احتياجات أبنائها المعاقين. وإن كان مختار الرواحي قد قدم نموذجاً في الصبر والكفاح، فإن المطلوب اليوم أن تتحول جهوده إلى إستراتيجية وطنية تضع الأشخاص ذوي الإعاقة في قلب التنمية لا على هامشها.
لقد كان المرحوم مختار الرواحي داعماً لمن حوله في الجمعية في فترة رئاسته، كما كان معلماً لمن أراد التعلم وسعى له. بحكم عمله في وزارة الإعلام وخاصة على جهاز المونتاج المرئي، فقد تعلم منه الكثير من الزملاء في الوسط الإعلامي والفني. فلم يكن مختار الرواحي منزويًا عن الآخرين، بل ظل يمدهم بمعرفته وعلمه. وعلى سبيل المثال، فقد بزغ نجم المُنتير موسى بن سيف الرواحي في فن المونتاج، وذلك بعد ما تتلمذ على يد وفكر الراحل مختار الرواحي. لقد كرس جهده وحياته في سبيل الارتقاء بالكوادر العمانية من حوله، كما أدخل أول كاميرا بيدي كام إلى الجمعية في تلك الفترة، والتي وثقت الكثير من المناشط والمهام الإنسانية التي كانت تقوم بها الجمعية. كان صديق الجميع والقريب من الكل، لم يُخفِ يوماً ابتسامته لأنه متعب أو مرهق. كان التحدي في الارتقاء بمن معه إلى مصاف من سبقهم هاجساً يُرق خططه ويقظ مضجعه، لم يتوقف عند إعاقته، بل شمر عن الفكر ووجه العقل إلى بذل مزيد من التطلعات المستقبلية. كان دينامو يولد الطاقة ويوزعها على أقرانه وعلى الأسوياء عامة دون تخصيص.
وبعد كل تلك المطالبات والجهود، يأتي اليوم أبرز ما يثير الجدل وهو الراتب الشهري المخصص للأشخاص ذوي الإعاقة (130 ريالاً عمانياً فقط). قد يبدو الرقم على الورق مقبولاً كدعم رمزي، لكنه على أرض الواقع لا يغطي الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية. بكلمات أخرى: الراتب البالغ 130 ريالاً لا يغطي حتى نصف ما يحتاجه المعاق شهرياً. وسائل النقل معاناة يومية، إحدى أكبر العقبات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة في عمان؛ فمن أجل مراجعة طبية واحدة في المستشفى يحتاج المعاق إلى سيارة مجهزة قادرة على نقل الكرسي المتحرك أو إلى سيارة إسعاف خاصة بهذه الخدمات. ولأنها غير متوفرة دائماً أو أنها تتطلب تكاليف مالية إضافية فوق طاقة الأسر، فالنتيجة أن كثيراً من الأشخاص ذوي الإعاقة يضطرون إلى البقاء في منازلهم محرومين من حقهم في المتابعة الصحية أو حتى المشاركة في الحياة الاجتماعية، ما يضاعف معاناتهم النفسية والجسدية. قد يخرج البعض ويقول: ماذا عن جمعية إحسان، ألا توفر سيارات إسعاف؟ نعم، هي توفر، ولكن الطلبات عليها كثيرة، وتعاني هذه الجمعية في كثير من جوانبها نقصاً، وكل من فيها متطوعون ولا يستلمون رواتب ثابتة. (فمن تبدي ومن تخلي؟!). كثيراً ما كنت متواصلاً شخصياً مع رئيسة جمعية إحسان، الأخت العزيزة جوخة الفارسية، وأعرف مدى معاناتها في نقص الوسائل والمستلزمات المهمة.
أما المصابون بالشلل الرباعي والشلل الدماغي، على سبيل المثال، فهم عالم آخر من الصارخين في صمت الحياة. فهم يحتاجون إلى الفوط الصحية (الحفاضات) بشكل يومي، وهي مستلزمات باهظة الثمن. هؤلاء الأشخاص يحتاجون كذلك إلى مرافق أو معاون دائم يساعدهم على النظافة الشخصية والاغتسال والتنقل داخل البيت، وهي خدمات لا يمكن الاستغناء عنها وتكلف مئات الريالات شهرياً. يضاف إلى ذلك مصاريف العلاج المستمر، من مراجعات طبية وأدوية وجلسات علاج طبيعي، وهي نفقات ترهق الأسر. كذلك كراسي المعاقين بالشلل الرباعي والدماغي باهظة الثمن وتحتاج كذلك إلى صيانة دورية. نعم، يحصلون على بعضها من وزارة التنمية الاجتماعية في حالة عدم توفرها في الجمعية العمانية للأشخاص ذوي الإعاقة أو عدم قدرتهم على شرائها، لكن ليس معظمها. وهناك أيضاً مستشفى خولة يوفر بعضاً منها في قسم الأطراف الصناعية. نعم، الحكومة تقدم بعضها لكنها تقدمها بشكل خجول. وأيضاً، مواعيد العلاجات الدورية وبسبب طول مدة المواعيد في العيادات الحكومية، لا يستفيد المعاق غالباً استفادة حقيقية من هذه المواعيد البعيدة، والتي لا تُحدث فارقاً في التحسن بسبب تباعد وتوقف فترات العلاج من شهر إلى ثلاثة أشهر أو يزيد أحياناً.
بين الواقع والآمال، يظل الأشخاص ذوو الإعاقة في عمان بحاجة إلى قرارات عاجلة تنقلهم من خانة التعاطف إلى خانة الحقوق. فالإعاقة ليست عجزاً في الإرادة، بل عجز في توفير الوسائل. الإعاقة ليست في الجسد، بل في العقول التي ترفض أن تمنح الفرصة. فمليار إنسان من الأشخاص ذوي الإعاقة لا يطلبون شفقة ولا فضلاً، بل حقاً مشروعاً نصت عليه القوانين الدولية ووقعت عليه الدول ثم تركته معلقاً بين الورق والواقع.
إن الفجوة بين النصوص وبين الحياة هي الخيانة الكبرى لهذه الفئة. فما قيمة أن تتغنى الأمم المتحدة باتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بينما ما زالت طرقات المدن غير مهيأة، والمستشفيات بلا مترجمين، والمدارس بلا أبواب مفتوحة ولا طرق ممهدة؟ وما قيمة الأرقام إذا ظلت حياة الناس بلا كرامة؟ لقد آن الأوان أن نغير زاوية النظر من اعتبار المعاقين عبئاً على المجتمعات، إلى رؤيتهم طاقة كامنة وقوة بشرية لا يمكن لأي نهضة أن تستغني عنها. إن إعادة التأهيل وتوفير الرعاية الصحية وضمان التعليم والتواصل ليست منة، بل استثمار في مستقبل أكثر عدالة.
فالقضية اليوم ليست قضية “هم”، بل قضية “نحن”. فمجتمع يحرم جزءاً من أفراده من الحياة الكاملة، إنما يحرم نفسه من إنسانيته أولاً ومن تقدمه ثانياً. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه العالم على نفسه ليس: ماذا يمكننا أن نفعل لهم؟ بل: ماذا سنفعل بأنفسنا إذا واصلنا تجاهلهم؟



